المحرر موضوع: الموسيقا السريانية (الجزء الرابع والعشرون) جدل كنسي حول استعمال الآلات الموسيقية  (زيارة 1157 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل برطلي دوت نت

  • مشرف متميز
  • Hero Member
  • ******
  • Thank You
  • -Given: 0
  • -Receive: 128
  • مشاركة: 30711
الموسيقا السريانية (الجزء الرابع والعشرون)
جدل كنسي حول استعمال الآلات الموسيقية (1)     
   

      
برطلي . نت / متابعة

بقلم: نينوس اسعد صوما
ستوكهولم



"كما أن على النغمة أن تكون خادمة مطيعة للمعنى،
فعلى الآلة الموسيقية أن تكون خادمة مطيعة للنغمة والمغنى"
فهل جائز استعمال الآلات الموسيقية كنسياً ؟


كنّا قد وضّحنا في الجزء السادس عشر من مقالنا أسباب عدم دخول الإيقاعات الموسيقية الى الكنيسة وعدم قبولها في طقوسنا الكنسية، وسنحاول في هذا الجزء من مقالنا أن ندرس معاً جواز استعمال الآلات الموسيقية او عدمه في الكنيسة السريانية وسنعرج ايضاً على رأي الكنيستين البيزنطية واللاتينية في هذه القضية.

في كنيسة الروم
إن الكنيسة ذات الطقس اليوناني/البيزنطي، لم يتواجد فيها صراع فكري تاريخي حول استعمال الآلات الموسيقية، بسبب تقيّدها بآراء الآباء الأولين الرافضين لفكرة إدخالها على طقوسها. فلقد تأسس الإنشاد الديني فيها على خاصية (Cappella A) التي تقوم على اساس استعمال الاصوات البشرية عوضاً عن الآلات الموسيقية لتقوم بمقامها وبمهامها. وظلّت متمسكة بهذا التقليد الكنسي ومنسجمة معه ومستمرة في تداوله منذ نشأتها، ومحافظة عليه لغاية عصرنا الحالي، وذلك من خلال تمسكها وتطبيقها بشكل صارم لقانوني الإيصن والملّيس الموسيقيين المعوضين عن استعمال الآلات الموسيقية.
لكن الملاحظ اليوم أن بعض الكنائس الشرقية في الغرب ذات الطقس البيزنطي قد استعانت بالآلة الموسيقية لتنظيم ألحان قداديسها، نتيجة عدم معرفة منشديها وجوقاتها بإستعمال قانوني الإيصن والمليس. وهذا يعكس ضعف في امكانيات الكنيسة ونقص في كوادرها، ومستقبلاً ستعمم هذه الحالة في الشرق ايضاً إن لم تعي الكنيسة دورها وتقوم بواجبها في المحافظة على موسيقاها.
كما يوجد اليوم جوقات في المشرق تقدم عروضاً خاصة من اناشيد الطقس البيزنطي تستعمل آلات موسيقية فيها لتقوم مقام الإيصن والملّيس وببعض المرافقات الموسيقية التجميلية. وتقام هذه العروض كنشاطات واحتفالات خارج مواعيد صلوات السنة الكنسية الطقسية. نعم إنها عروض جميلة لكنها حالة كنسية غير صحية، لأنها تثبت ضعف المعرفة بالموسيقا البيزنطية لدى جوقات وكوادر الكنيسة، فلهذا تجنح الى سلوك الطرق السهلة في الخدمة واقامة النشاطات وبالتالي التخلي عن تقليدها وتراثها الكنسي.

في كنيسة السريان
برز تاريخياً نوع من التجاذب الفكري في الكنيسة السريانية حول إستعمال اللآلات الموسيقية، كانت له نتائجه الغير مرضية على موسيقانا الكنسية، فتُرِكَت على حالها دون اهتمام لائق بها. ولأسباب اخرى نجهلها لم يتم تنظيمها بالشكل الحضاري مثل الموسيقا الكنسية البيزنطية والغريغورية، ولا صياغة قوانين لأجل تطويرها وتحديثها ولا العمل على تدوينها لحفظها من التغيير. فورثناها وهي حاوية فوضة كبيرة بحاجة الى سنوات طويلة من العمل الشاق لإعادة تنظيمها وهيكلتها حسب مقتضيات العصر.
إن استعمال الآلات الموسيقية اصبح واقعاً مفروضاً على كنيستنا السريانية في عصرنا هذا بالرغم من أن خصائص الإنشاد السرياني الكنسي تؤكد على أن نوع الإنشاد عند السريان هو صوتي ونغمي وأحادي لا ترافقه آلات موسيقية.
1- هو صوتي بكلّيته، أي أنه نوع من "أ كابيلا A Cappella الشرقي" الذي يعتمد فقط على الأصوات البشرية في تنفيذه وليس على الآلات الموسيقية.
2- هو نغمي Melodi، ونغماته غنائية تعتمد على الصوت البشري في تنفيذها.
3- هو احادي Monodi، وليس تركيبي بوليفوني، يعتمد على الصوت الاحادي في تنفيذه وليس على التعددية الصوتية.
4- غير متأطر بآلات موسيقية. فيه الكثير من العفوية في تنفيذه لإعتماده الكبيرعلى اجتهاد المنشد وخبرته.
إذاً خصائص إنشادنا الكنسي تؤكد على عدم استعمال آلات موسيقية كنسياً.
إن تاريخنا السرياني الكنسي لم يتواجد فيه آراء متعددة مختلفة ومتضاربة لتتحول الى صراع فكري كنسي حول قضية إستعمال اللآلات الموسيقية كنسياً، سوى ما كتبه عن هذا الموضوع "ابن العبري في الإيثيقون"، وأما اغلب آباء الكنيسة فلم يتطرقوا لهذا الموضوع او تجنبوا الكتابة عنه لأسباب نجهلها.
وبالرغم من القول بأن بعض الآباء أجازوا إستعمالها لكننا لم نعثر على مصادر تؤكد هذا القول. فيبقى الرأي السائد في كنيستنا هو عدم جواز استعمالها.
لهذا سأعرض ثلاثة من أهم آراء الكنسية المسيحية تاريخياً لنتعرف على موقفها الديني السلبي من قضية إدخال الآلات الموسيقية الى الكنيسة، ويُعتَقَد بأن السريان تأثروا فيها وأخذوا بها، وهي:

1- الرأي بحسب يوحنا ذهبي الفم (407م)
المعروف بأن اليهود استعملوا الآلات الموسيقية في خدمتهم الروحية وكان التسبيح مرافقاً بالصنوج وصوت البوق والأوتار والكنارات والدفوف والطبول والقيثارات وغيرها.
إن القديس العظيم يوحنا ذهبي الفم ( 407-347 م)، بطريرك القسطنطينية اللاهوتي الكبير وفصيح اللسان، الذي قيل عنه: "واعظ المسكونة الأول، وخزانة أسرار الكتب واللسان، والآلة الملهمة من الله والعقل السماوي"، يرى بأن ضعف اليهود سمح لهم بإستعمال الآلات الموسيقية، ويقول بذلك: " قد سمح الله للإسرائليين بأن يستعملوا الآلات نظراً الى تخنث آدابهم ونقص في شعورهم، وليساعدهم في ضعفهم ويبعدهم عن الأوثان. أما الآن فإنه تعالى يحتقر كل آلة مادية صرفاً ويريد أن يُسَبَّح بأفواه البشر".
خلص الذهبي الفم الى القول بعدم استعمال الآلات الموسيقية في الكنيسة للسبب السابق وبسبب استعمالها بشكل صاخب وغير مهذب ولا أخلاقي بطقوس الديانات الوثنية التي عاصر شيئاً منها، وكانت تستعمل آنذاك:
1- في الصراعات العسكرية والإقتتال والموت لأجل أمور دنيوية، وهذا مخالف لطبيعة الله التي كلها سلام ومحبة.
2- مرافقة للإحتفالات الدينية الوثنية المرتبطة بالزنى، حيث كان دور كبير للعازفين في إغواء الموجودين وحثهم على الفجور، وهذه من الخطايا العظيمة عند الله.
إذاً قديسنا ذهبي الفم منعها في مرافقة الإحتفالات الدينية المسيحية بسبب تأثيرها السلبي السيّئ على القيم والأخلاق وارتباطها بالإحتفالات الغير دينية المخالفة لطبيعة الله، بالرغم من أنه كتب عن تأثير النغمة الصوتية في الإنشاد الكنسي.

2- الرأي بحسب جيروم (420م)
إن القديس جيروم (420م) St. Jerome من الكنيسة اللاتينية، يعتبر في نظر الكثيرين "أعظم آباء الغرب في تفسيره للكتاب المقدس"، أصله من "دلماسيا في يوغسلافيا سابقاً"، قدم الى مدينة "بيت لحم" لإنجاز ترجمة الكتاب المقدس من العبرية واليونانية الى اللاتينية بتكليف من البابا داماسوس أسقف روما. ودعيت ترجمته هذه "فولجاتا Vulgata" أي العامة، والتي صارت الترجمة المعتمدة لكنيسة روما الرسولية على مدى عشرة قرون.
ويبدو أن آلة الأورغن كانت قد دخلت حديثاً الى الكنيسة القسطنطينية والتي اصبحت مركزاً لصناعته آنذاك، وبعدها دخلت الى كنائس أوروبا لمرافقة الصلوات في بعض المناسبات والاحتفاليات الدينية الملكية، فكتب جيروم تحفظاته المعروفة حول استعمال الآلات الموسيقية في القداديس.
"والاورغن آلة موسيقية بداياتها كانت في القرن الثاني قبل الميلاد تغيّرت وتطورت تاريخياً واشتهرت كثيراً في عصر النهضة الباروكي باوروبا".
إن القديس جيروم عندما عاش في بيت لحم تأثر كثيراً بالفكر الشرقي الكنسي القائم على عدم استعمال الآلات الموسيقية في الكنيسة لهذا أوصى بتلك التحفظات.
لكن هذه القضية أنتهت لاحقاً بقرارات واضحة من كرسي روما وهي:
"تأسيس وتنظيم وبناء أعمال موسيقية كنسية ولتدخل الآلات الموسيقية الى الكنيسة وتكون ركناً أساسياً فيها".

3- الرأي بحسب أبن العبري (1286م)
الفيلسوف السرياني والعلامة ابن العبري (1226- 1286م)، الذي قال عنه علامتنا البطريرك أفرام برصوم في اللؤلؤ المنثور: "آية من آيات الله، وأعجوبة من أجلّ أعاجيب الدهر". يقول في الفصل الرابع من كتابه علم الأخلاق "الإيثيقون ص 134":
"إن بني إسرائيل الذين تأثروا بالحياة المصرية الوثنية لطول إقامتهم في مصر، سمح الله لهم ممارسة الذبائح الدموية، فكان يعلم لو منعهم عنها فجأة لما أطاعوه، ولكنه أمرهم أن يقدموا الذبائح له فقط، وبذلك لجم ميولهم المنحرفة نحو عبادة الأصنام. كذلك أجاز الترتيل على أنغام القيثارات وسائر الآلات الموسيقية لأنهم نشأوا على سماعها مرافقة لأعياد الشياطين وحفلات الأصنام وذبائحها".
ويقول ايضاً: "أما الآلات الموسيقية وإن استعملها النبي داؤد بإلهام الروح القدس، إلا أن هذه الآلات تستعمل في أيامنا للطرب ويرافقها السكر والعربدة، لذلك ليس استعمالها مباحاً".
إن ما كتبه العلامة أبن العبري يوضح جيداً موقف الكنيسة السريانية من الآلات الموسيقية، واستند في عدم إستعمالها على:
1- إستعمالها الخاطئ في العهد القديم، وللجم الميول المنحرفة لدى بني إسرائيل.
2- - استعمالها للطرب وللسكر والعربدة في عصره، فتبعد الإنسان عن خالقه.
3- إستعمالها يؤدي الى الإنشاد بطرق صاخبة وراقصة الغير موافقة لفكر الكنيسة.
ويبدو بأن علامتنا ابن العبري قال بعدم جواز استعمال الآلات الموسيقية لوجود أصوات كانت تعلو في تلك المرحلة في القول باستعمالها.

4- آراء لبعض الآباء
كنا قد استخلصنا في الجزء السادس عشر من مقالنا ومن أشعار الملفان الكبير مار يعقوب السروجي (521م) شاعر الكنيسة السريانية، في وصفه لقديس الكنيسة وشاعرها ومعلمها مار أفرام السرياني (373م)، بأن الآلات  الموسيقية لم تستعمل داخل الكنيسة في عصريهما ولم يستعملانها شخصياً.
وإن وجدت بعض الحالات الفردية بعدهما، لكن أحداً لم يشرع بإستعمالها كركن أساسي من أركان الكنيسة.
وأما العبقري والعالم الكبير مار يعقوب الرهاوي (708م)، منظم الطقوس والألحان الكنسية لم يذكر في مؤلفاته وجوب إدخال الآلات الموسيقية الى الكنيسة لمرافقة الإنشاد الديني. فإن كانت هناك حاجة لإدخالها فكان سيخط توصيات بذلك وَيُلزِمَها مثل القوانين الكنسية التي سطّرها.
إذاً لدى العودة لآراء آباء الكنيسة السريانية فإننا نخلص إلى القول بأن الرأي الأرجح في تاريخنا الكنيسي هو عدم جواز استعمال الآلات الموسيقية في الكنيسة.

الكنيسة والآلات الموسيقية
بالرغم من الآراء السابقة تقول في عدم جواز إدخال آلات موسيقية الى الكنيسة، إلا أن الرأي السائد اليوم عند ابناء الكنيسة السريانية واكليروسها في هذه القضية هو رأي ايجابي، والجميع يحبذ إدخالها وبقوة لتكون جزءاً من اركان الكنيسة. 
لكن الاستنتاجات التي توصلت اليها من خلال دراستي البسيطة للطقوس الكنسية، تؤكد على عدم استعمالها في الكنيسة السريانية، بسبب عدم وجود مصادر تثبت استعمالها:
1- عدم وجود أي مصدر يؤكد إستخدامها في الكنيسة لمدة طويلة، لتثبت لنا بأنها كانت ركن أساسي من الموسيقا الكنسية إسوة بالكنائس الأوروبية.
لقد وجدت حالات فردية رافقت المنشدين في بعض الاحتفاليات الدينية الكبيرة، لكنها لا تعتبر قاعدة عامة يبنى عليها حقائق معينة، لكونها كانت حالات شاذة، وهذا ما نستنتجه من ابن العبري في الايثيقون عندما كتب عن آراء تقول بجواز استعمالها فقال فيها "آراء صبيانية"، وعن آراء أخرى تقول بعدم جوازها ولم ينتقدها.
2- لا يوجد في كتبنا الطقسية ذكر لوجود آلات موسيقية ولا لأنواعها رافقت تاريخياً إناشدنا الكنسي، لكن ذكرها موجود في كتب كنائس اوروبا.
3- لا وجود لدور آلات او مقطوعات موسيقية في صلواتنا. كما أن تقسيم الأدوار في طقوسنا الكنيسة قائم على دور أساسي للكاهن وادوار اخرى للشمامسة والجوقات والشعب، ولكن ليس للموسيقا فيها مكانة. بينما الكنائس الاوروبية فيوجد فيها مقطوعات لآلات موسيقية معينة لها مكانها ودورها في طقوسهم.
4- أزمات وكوارث مرت الكنيسة بها، ودخولها عصر إنحطاط نتيجة الإضطهادات المتواصلة خاصة في العصور الإسلامية أدت الى عدم إستقرارها، والى سيطرة الفكر الاسلامي على فكر السريان الذي يمنع استعمال الآلات الموسيقية دينياً، وحسب تقديري ساهم هذا الامر في ترجيح كفة الرأي القائل بعدم جواز استعمال الآلات الموسيقية في الكنيسة.   

الكنيسة وعازفي الآلات الموسيقية
فكما تم تجاهل ذكر الآلات الموسيقية هكذا ايضاً تم تجاهل ذكر الموسيقيين في تاريخنا الكنسي، فمثلاً:
1- التاريخ لم ينقل لنا أسماء عازفين بارعين (موسقيين) رافقوا الصلوات في العزف على آلاتهم الموسيقية لنتأكد من وجودهم مع آلاتهم في الكنيسة.
2- لم يذكر التاريخ وجود عارفين بعلوم الموسيقا ومتمكنين من ألحاننا الكنسية ليضعوا انظمة لكيفية عزفها وغنائها وتدوينها يؤكد لنا وجودهم في الكنيسة، سوى العالم الكبير مار يعقوب الرهاوي منظّم الطقوس والألحان الكنسية.
3- إن عدم توفر إستمرارية عازفي آلات موسيقية في أية منطقة سريانية، يؤكد لنا بأن حالات تواجد عازفين وآلات تاريخياً كانت حالات فردية شاذة، ولازالت هذه المشكلة قائمة حتى يومنا هذا.
4- إن عدم تدوين الألحان السريانية الكنسية بنوتة موسيقية او بكتابة رموزية ما في معظم مراحل تاريخنا الكنسي، لهو خير دليل على عدم وجود آلات وعازفين موسيقيين في كنيستنا.
ربما وجدت حالات صغيرة وبدائية من التدوين الموسيقي على شكل رموز لم تعمم في الكنيسة، ذكرها العلامة مار فيلوكسينوس يوحانون دولباني 1960 في رسالته الموجهة الى عمنا الموسيقار الكبير كبريئل أسعد رائد الأغنية السريانية الحديثة في القرن العشرين، فقام بدوره بنشرها مشكوراً في مقدمة كتابه الموسيقا السريانية الصادر 1990م. وسأحاول نشرها مستقبلاً للإطلاع عليها والاستفادة منها.

ويتبع في الجزء الخامس والعشرين


Share me

Digg  Facebook  SlashDot  Delicious  Technorati  Twitter  Google  Yahoo

 


Back to top