المحرر موضوع: زعاماتنا وزعاماتُهم، شتّان!/لويس إقليمس  (زيارة 371 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل برطلي دوت نت

  • مشرف متميز
  • Hero Member
  • ******
  • Thank You
  • -Given: 0
  • -Receive: 129
  • مشاركة: 30961
زعاماتنا وزعاماتُهم، شتّان!/لويس إقليمس
« في: فبراير 20, 2018, 01:27:53 مسائاً »
زعاماتنا وزعاماتُهم، شتّان!     
   


برطلي . نت / بريد الموقع

لويس إقليمس



بغداد،في5 شباط 2018
قد يرى البعض في الاقتباس والاستشهاد التالي الذي وددتُ أن أُوردَه عن الإنجيل، وبالتحديد في الكلمات التي وردت في رسالة بولس الرسول الأولى إلى تلميذهطيماثاوس (1:3-7)، شيئًا من الغرابة في الربط في عنوان الموضوع مع متنه. فالرسول بولس، يوصي هذا التلميذ مذكرًا إياه بمواصفات الراعي، أي الرئيس الذي يرعى مجموعة من البشر ويقودهم نحو صلاح النفس والعمل بما يديم العلاقة مع سائر المؤمنين من البشر تحت رعيته.يقول في توصيته: "صادقةهيالكلمة: إنابتغىأحدٌالأسقفية،فإنما يشتهيعملاصالحا".والأسقفية في الكنيسة أي في المسيحية هي درجة عليا من الكهنوت تسمو في دورها في رعاية الرعايا والشعب المؤمن. ويسترسل في توصياته متحدثًا عن صفات القائد الراعي،"يجب أن يكون الأسقف بلا لوم، بعل امرأة واحدة، صاحيا،عاقلا،محتشما،مضيفاللغرباء،صالحاللتعليم، غيرمدمنالخمر،ولاضرّاب،ولاطامعبالربحالقبيح،بلحليما،غيرمخاصم،ولامحبللمال،يدبربيتهحسنا،لهأولادفيالخضوعبكلوقار... وأن تكون له شهادة حسنة من الذين هم من خارج لئلا يسقط في تعبير وفخ إبليس".
في الحقيقة، رأيتُ فيهذا الاقتباس بذرات أصيلة وتوصيات طيبة لمن يسعى للسلطة، دينية كانت أم زمنية. فقد اختلطت المفاهيم وصار الطموح في الجاه والمال والسلطة من دواعي العصر ومن متطلبات الحياة الدنيا بالرغم من التباين في الهدف بين الدينيّ والزمنيّ. فالرئاسة الدينية في الأديان التوحيدية عمومًا، هي كرامة وخدمة واستعداد للتعليم والتضحية والنصح قبل أن تكون سلطة تفرض السطوة وتجذب الشهوة وتمارس الظلم وتوغل في الفساد باستخدام أشكال المداهنة والكذب والدجل.
أنقل في هذا السياقعنالإمامعلينظرتَهإلىالسلطة التي قد تختلف فقط في ترتيب الكلمات واختيار الألفاظ التي تدلّ على النظرة الإنسانية للبشر وتفاعل هذا المفهوم مع الرؤية الإلهية للأشياء والوقائع بحسب الزمان والمكان.فقد كان شديدًا في محاسبة الفساد ورفض الباطل. وهذه الرؤية في عمق فحواها مقاربة للتي اقتبستُها عن الكتاب المقدس. فالسلطة عند الإمام عليمنحيثالشرعيةوالبعدالإنساني هيذاتبعدين: إلهيوشعبي،مندونأنتتقاطعاأوتتصارعا. ومن ثمّ فقد تمّ اتخاذُها منهجًا شرعيًا عبرمدرسةسياسية بأبعادٍ إنسانيةلتضعوتعيدالحقإلىنصابهوتقاومالظلموالطغيانوترفضالباطلأيًاكانمصدرُهأوفاعلُه. كماأنهابموجب هذه المسلّمات ليستهدفًاولاينبغيأنتكونكذلك،بلوسيلةلإنجازالحقوخلعالباطلوأهلهومحاربةالفسادوإزاحةالفاسدين.وتلكم إشارة واضحة لرفض أي مذهب أو سعيٍ للاستئثار بالسلطة من قبل ما اعتدنا عليه في مفهوم أحزاب السلطة، كما هو شائع هذه الأيام. فقد أجازت أحزابُ السلطة في بلدان الشرق المسلم عمومًا، والعراق خصوصًا، أجازت لنفسها ولأتباعها فعل ما رفضه وفضحه الإمام علي خلال فترة حكمه، عبر فرض أحكامٍ وسنّ قوانين وتشريعات تسهّلُ لهم استغلال الحكموالاستيلاءعلى ثروات البلاد وإفراغخزينةالدولة بأشكال وأساليب شيطانية.
آن الأوان للتغيير الحقيقي. فقد طفح الكيل وبلغ السيلُ الزبى بسبب تفاهمات المحاصصة الخارجة عن السياق الوطني والمترفعة عن أصول الدستور، بالرغم من عديد الثغرات الخائبة فيهذا الأخير. أمّا القوانين والتشريعات الجائرة التي باتت تزكم الأنوف والتي أجاز ممثلو الشعب تشريعَها خدمة لمصالحهم الشخصية والفئوية والحزبية والطائفية، ومنهاعلى سبيل المثال وليس التحديد، قانون العفو العام الذي يبرّئ الفاسد بدعم من كتلته، وقانون الأحوال الشخصية الذي ينتقص من سموّ المرأة وحريتها وكرامتها ويجعل منها عورة في حركتها ومطالبتها بالمساواة مع الرجل، وكذا ما أُشيع عنتشكيلاتحادللبرلمانيينالذي سنّته السلطة التشريعيةبغياب وسائل الإعلام، والذي غايتُه المحافظة على امتيازات النواب وأسرهم مدى الحياة، جلّ هذه القوانين لا تقوم على مبدأ المواطنة ولا تغلّب المصلحة الوطنية العليا ومصالح الشعب. وإنْ صحّت مصادقة رئاسة الجمهورية على القانون الأخير لاتحاد البرلمانيين العراقيين، فهو يعدّ جريمة بحق الوطن والشعب، من حيث استمرار سرقة أموال الشعب وحقوق المواطن والأجيال القادمة عبر امتيازات غريبة وشاذة لا يوجد أمثالُها سوى في بلد مُشاع ومستغَلّ (بفتح الغاء) كالعراق. هذا إلى جانب قوانين غيرها من تلك التي فرضتها المحاصصة من حيث استملاك أحزاب السلطة لميزانيات الوزارات أو المؤسسات التي تديرها ضمن حصتها وتحت تصرّف هيئاتها الاقتصادية غير المشروعة. وهذا من براهين استغلال السلطة من قبل أحزاب السلطة الحاكمة التي غاب عن معظم زعمائها وعن نوابهم الحسُّ الوطني ومفرداتُ النزاهة وطغى على أفعالهم عقدُ الصفقات وبيع المناصبوالاستئثار بالمال العام من دون رقيب وسط هَون السلطة التنفيذية والقضائية وضعف الحكومة في مواجهة المافيات وتهيّبها من محاربة الفساد والفاسدين وعدم قدرتها على تنفيذ الوعود بالإصلاح، بسبب هيمنة أحزاب السلطة على مقاليد شبه الدولة القائمة وتفوّق مصالحها على القانون وسموّها على المصلحة العليا للوطن والمواطن.فالمشكلة كما ندرك، ليست فقطبوجودفاسدينفيالدولةبلفيالإرادة القوية بمعالجةالفسادوعدمالقدرة على معاقبةالفاسدين،وفي المراوغة والمماطلة والمساومةمع عصاباتالفساد ومافيات السلطة.
لدى قراءتنا للمواصفات الطيبة والصفات المجتمعية الحميدة الواردة في وصايا مار بولس الرسول والإمام علي بخصوص السلطة، نرى أنها قد تنفع في عملية الإصلاح، أيّ إصلاح من دون تحديد الزمان والمكان. فهي نافعة وجديرة بالتطبيق على أيّ راعٍ أو زعيم أو قائد اجتماعي أو سياسيّ أو دينيّ، من حيث قدرتها على خلق نفوس نظيفة في الفكر والتطبيق، وفي الترويج لمجتمعاتآمنة، مستقرّة، سليمة في قدراتها العقلية،صحيحة في مسيرتها الاجتماعية والثقافية والاقتصادية والعلمية والسياسية والدينيةمعًا.
شهوة السلطة من غرائز البشر عامة، وهي مشروعة، هذا إنْ كانت ضمن حدود القوانين والدساتير التي تقرها الدول والشعوب المتمدنة، ولا تخرج عن اللياقة العامة وآداب المجتمع والقيم العليا للإنسانية والأديان السمحة التي تكفل حياة حرة كريمة للشعوب واحترامًا بين الرئيس والمرؤوس. فللزعامةشروطومقوماتوحدود، وليس فقط ما تأتي به من جاهٍ وسلطةأو امتيازات جليلة تجعل من الزعيم أو المسؤول بطلاً فارغ الجعبة، جلُّ همّه التركيز على مصالحه الشخصية الخاصة ومصالح المقرّبين منه من المتحذلقين ومن مقتنصي الفرص ومن وعّاظ السلاطين الفاسدين.
ربّما تصفح العديدون من مرتادي التواصل الاجتماعي، الحياة اليومية لبعض الزعماء في الدول المتحضّرة، ومنها الغربية على وجه الوصف لا التحديد، أو تابع سلوكيات الحياة السياسية لبعض الزعماء النظيفين في العالم. فالسيدة الأولى في ألمانيا، أنجيلا ميركل شوهدت مرارًا وهي تتبضّع من الأسواق العامة بصحبة زوجها أو أفرادٍ من أسرتها بلا حماية ولا حراسة تُذكر ولا قَطع للطرق ولا إزعاج لصفارات سيارات المواكب التي اعتدنا عليها في بلدنا، وعموم بلدان الشرق ومنها العربية والإسلامية تحديدًا. كما أنّ ميركل وغيرُها من قادة هذه الدول، لا يتلقون خدمات مجانية من دولهم ولا يستطيعون إنفاق أية مبالغ عامة لراحتهم الشخصية أو لنشاطاتهم خارج الحكومية منها. وهم في الغالب يقودون سياراتهم ويتنزهون على راحتهم من دون حمايات ظاهرة في الغالب. فقد شاهدتُ بأمّي عيني نيقولا ساركوزي بملابس الرياضة عندما كان وزيرًا للداخلة وهو يمارس رياضة الركض بصحبة رياضيّ آخر على جانب نهر السين في إحدى زياراتي للعاصمة الفرنسية قبل سنوات. فهل يستطيع أحد من قادة بلادي فعلها اليوم هنا أو في أي مكان آخر من دون فوج من حمايات من خاصته مدججين بأسلحة وبمسدسات تزيّن خاصرتهم وتظهر من خلف بزاتهم الفاخرة؟ أشكّ في ذلك.وهذا رئيس وزراء كندا الشاب، ترودو الذي ينزل إلى الشارع ويجالس الناس في مناسباتهم الدينية والاجتماعية، وآخرها مشاركته في منتدى دافوس وهو يرتدي جوارب بنفسجية عليها صور طائر البط، ممّا أثار موجة من السخرية في وسائل التواصل الاجتماعي. وعند الاستفهام تبيَّن أن الرجل قصد بهذه الحركة في هذا المحفل الدولي الهامّ، المساهمة بدعم مشروع صاحب شركة هذا المنتوج وهو من أصحاب الاحتياجات الخاصة. إنها قمّة الإنسانية والرؤية المتواضعة للأحداث والشعور بحاجة المواطن، أيّ مواطن للدعم والمساعدة. ومن منّالا يتذكر رئيس وزراء السويد أولف بالما، الذي اغتالته يد الغدر والظلم في شباط 1986 وهو خارج من دار السينما بصحبة زوجته مثل باقي المواطنين من دون حمايات ولا سيارات ولا حاشية. وهل ننسى المناضل نيسلون مانديلا الذي رفض أموالاً مقابل نضاله، وقد عبّر ذلك بكلماته المضيئة " إذا قبضتُ ثمنًا لنضالي، أتحول من مناضل إلى مرتزق". أو رئيس وزراء سنغتفورة الحديثة لي كوان يو، الذي اختار خدمة شعبه ووطنه، ونقلَ بلاده إلى مصاف أفضل عشر دول اقتصادية في العالم، بتجنّبه خيارًا ممجوجًا آخر كان من الممكن أن يدخله وأسرتَه في تاريخ أغنياء العالم بترك شعبه في العراء وبلاده ترزح تحت نير الفقر والتخلّف، لكنه اختار الخيار الأول. هكذا هم الزعماء العظماء!
كيف لنا أن نقارن هؤلاء بما لدينا من بعض زعامات ورئاسات وأرباب السلطة. لا أقصد النزيهين والمفعمين بحب الوطن وشعبه، ممّن يعرفون أنفسَهم، ولا يتباهون مثل أندادهم الذين يحلّلون المحرَّم ويتجنبون المحلَّل والرزق الحلال الذي توصي به أديانُ السماء وينصحُ به الرجالُ التقاة المتعفّفون، عملاً بوصايا الله الحسنة. فشتان ما بين أولئك وما لدينا من النماذج الفاسدة في أيامنا هذه. فبعضُزعاماتنا، أستميحهم عذرًا، مثال صارخٌ للبذخ والإسراف في كلّ شيء، والخروج عن وصايا السماء والأئمة الأطهار والأنباء الأصفياء والمتعففين من القديسين وطيبي النيات.إنّما بعض زعاماتنا، تقبل النهبَ من المال العاموتعدُّه حلالًا زلالًا عليهم طالما هُم في السلطة. فهذه الأخيرة، بحسب قناعتهم القاصرة، تفوّضُهم التصرّف الحرّ غير المحدَّد بالمال العام وبثروات البلاد والعباد عبر التلاعب بمقدرات الدولة والحصول على المقاولات والعقود لهم ولزبانيتهم من التابعين لهم من دون وجه حق. أليس الصراع بعدم التمكن من إقرار ميزانية 2018 يدخل ضمن هذه الممارسات؟
السلطة لدى بعض زعاماتنا ناقصةِ الرؤية وعديمةِ الخجل والحياء، تتيح لهم أشكالَالتباهي والتعالي بالمناصب وما يمكن أن تأتي به من إيغال في أنواع السلوكيات اليومية غير النزيهة التي تشمئزّ منها النفس البشرية، وكذا في أشكال الفساد الذي تنهى عنه الشرائع الدينية وترفضه القوانين الوضعية وتدينه المجتمعات الإنسانية. فعندما يقبل مسؤول في الدولة، في أية مرتبة أو منصب، أن يكون متعاليًا ومترفعًا عن المواطن الذي ائتمنه عندما قصد صندوق الاقتراع وتجشم عناء الانتخاب ليساعد في تشكيل حكومة تعنى به وبأمثاله وتعالج مطالبَه وتنظر في احتياجاته، فهذا قمّة الدناءة وعينُ الإسفاف والاحتقار الموجَّه نحو عامة الشعب الذي هو مصدر السلطات. ومن ثمّ، فالتخويل الذي منحه صاحب الصوت لهذا المسؤول الذي ارتقى المنصب والذي لولاه لما بلغه، ينقلبُ عليه غضبًا وبغضًا وشجبًا للتصرفات والسلوكيات الشاذة غير المبررة التي اتخذها هذا الزعيم أو هذا المسؤول أو هذا الحزب أو هذه الجهة وهي في سدّة الحكم الجائر.
للأسف، من عادة الشرقيين أن يبجلوا قادتهم ويصفقوا لزعمائهم، حتى لو كانوا من الفاسدين ومن أصحاب السوابق ومن الفاشلين، لأسباب عديدة، منها عدم نضوج الثقافات لدى الكثيرين منهم، وقصر النظر في رؤية الأشياء، وضعف الحكم على نوعية البشر، والخوف القاتل في النفوس الضعيفة، والخجل من قول كلمة الحق، والأعراف العشائرية المتخلفة التي تحدّ من الاعتراض على أرباب السلطة، وأخيرًا وليس آخرًا بسبب طبيعة المجتمع الشرقي الذي يحبّ الأقوياء ويصفّق للجلاّدين ويرحب بالفاسدين رغم إدراكه أحيانًا للخطأ الذي هو واقعٌ فيه.وليس أكثر مرارة وعلقمًا أن نرى شرائح من مجتمعاتنا تعيش الفقر والفاقة والمرض وتقطن العشوائيات وبيوت التنك والطين والكرفانات، وهي راضية أن ترى طبقة مترعة تعيش في عالم آخر، تسكن القصور المترامية والبيوت العامرة والسيارات الفارهة، وتتمتع بأطيب الأطعمة في مطاعم العواصم الكثيرة التي يتهافتون عليها، وتشتري أرقى النستلات والمشروبات التي تبحث عنها في تلك البلدان. وإنّي هنا، لا أجد تبريرًا لسكوت المواطن السوي الذي يتفرّج على هذه السلوكيات صاغرًا وقد فقد كرامتَه واحترامه وصحتَه، ثمّ ليأتي ويعيد ذاتَ الخطأ في كلّ دورة انتخابية؟
إنّ الوطنية الصحيحة كما الديانة الحقة والمبادئ الإنسانية الأساسية لا تفرض على المرؤوس أنواعًا من الخنوع والخضوع والانبطاح أمام الزعيم والرئيس والمسؤول غير النزيه، مهما سما هذا في منصبه وعلا في قدره. فالمسألة تكمن في أساس الحياة التي حباها الخالق لبني البشروبأهدافها ووسائل العيش فيها عبر سلّة متكاملة بين الرئيس والمرؤوس على اساس الاحترام والمساواة وصون الكرامة، وفق قانون الطبيعة الذي يرسم العلاقة المتبادلة الصحيحةبين الاثنين. وهذا جزءٌ أساسٌ من حقوق المواطن في أيّ بلدٍ يقيّمُ مثل هذه العلاقة بين الشعب والسلطة من دون أن يخنق الشوك والحسك ما تبقى من ورود وأزهار البلاد.
قالها الصحابيأبوذرالغفاري: "كانالناسورداًبلاشوك،فأمسواشوكاًبلاورد."




Share me

Digg  Facebook  SlashDot  Delicious  Technorati  Twitter  Google  Yahoo