المحرر موضوع: عجوز متذمر وعقوق/شمعون كوسا  (زيارة 414 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل برطلي دوت نت

  • مشرف متميز
  • Hero Member
  • ******
  • Thank You
  • -Given: 0
  • -Receive: 129
  • مشاركة: 30966
عجوز متذمر وعقوق/شمعون كوسا
« في: يناير 21, 2018, 09:11:01 مسائاً »
عجوز متذمر وعقوق     
   



برطلي . نت / بريد الموقع

شمعون كوسا




عدتُ الى اوقات القحط فكريا ،  واضحيتُكالأرض القاحلة التي قاطعتها الامطار فأمست لا ترى الخضار وحتى اتفه الاعشاب إلاّ في الاحلام. كيف لي التفكير في كتابة مقال وان ينابيع الفكر قد نضبت ، وغدت مجرّد سواقي جافةحفرتها افكار كانت تتدفق كسيول عارمة. حاجتي الملحّة لهواء ينعشني قليلا ، أخرجتني من البيت فيمّمتُ شطر سوق عام كبير يعرضأغلب الحوائج .معلّلا نفسي في أمل التعثر بفكرة أوالوقوع على  ظاهرة تطلق الشرارة التي من شأنها ايقاظ  افكار نائمة او إضاءة زوايا مظلمة في رأسي ،  تجولت في السوق وذهبت الى أبعد حيّزٍ فيه الى ان بلغت الكشك المخصص للكتب والثقافة . رحب بي صاحب الكشك الذي كان يعرفني وقال:كما ترى لقد فرغت الرفوف.لقد تأخرتَكثيرا، كانت بحوزتنا مواضيع مهمة ولكنها اختفت بسرعة البرق. وبما اني لا اريدك عائداً صفر اليدين ، اود ان اعرض عليك رسالة  باللغة الفرنسيةتلقيتها قبل فترةمن صديق .إنها تسرد قصةفي غاية البساطة، غير انها مؤثرة بالعِبَر التي تحويها .كنت قد اخفيتها لك ، وانا على يقين بانك بأسلوبك الخاص ستحول كلماتها الى جسد جميل .
تناولتُ القصة وقرأتها مرتين فأعجبتني، شكرت صاحبي بحرارة وغادرت السوق .
بدأت على الفوزبنقل هذه القصة التي تقول:
في أحد دور العجزة بمدينة متواضعة ، تُوفّي رجل عجوز، شخص عادي جدا ، لم يأبه له المسؤولون لانهم يعرفون بانه لم يترك وراءه شيئا يُذكر.
كان على الممرضات التفتيش في جيوبه لإفراغحاجياته البسيطة .اثناء التفتيش ، عثرت إحداهن على ورقة بسيطة ،قرأتها خشية إهمال طلب او وصية يكون قد كتبها المتوفّى .كان العجوز قد خطّ على الورقة ابياتا شعرية تأثرت الممرضة عند قراءتها ، فذهبت بها بسرعة الى القائمين على الدار الذين ، بعد قراءتها واعجابهم الشديد بها ، اجتمعوا بكافة العاملين لاطلاعهم عليها.
كانت قصيدة شاعرنا المتوفّى تحمل عنوان:( العجوز المتذمر والعقوق)،يقول فيها:

 ماذا ترين أيتها الممرضات،ماذا يخطر ببالكنّ عندما تنظرن إليّ ؟
عجوزمزعج،عجوز هائج،عجوز متمرّد ومتردد،عجوز تائه في نظراتهالغامضة ؟
عجوز يسيل لعابه عندما يأكل ، عجوز لا يردّ على أيّ سؤال يوجّه اليه ؟
اليس هذا العجوز الذي عندما تقلن  له : يجب ان تبذل جهدا اكبر ، لا يأبه للكلام ، ولا يحرك ساكنا ، وكأنه غير معنيّ بما يسمع ؟
أليس هو نفس العجوز الذي غالبا ، يُضيع إحدى فرداتجواربه أو حذائه ؟
أليس نفسه  الذي نتيجة عناده واحتجاجه ،يرغمكنّ على القيام بإطعامه وتحميمه ؟
أليس هذا ما تفكّرن به ؟ هل هذا هو فعلا ماترينهفيّ ؟

ألآناطلب منكم جميعا ان تفتحوا عيونكم ، وتُمعنوا النظر فيّ ، إنكمجميعكم متوهمون ولا تروننيعلى حقيقتي ، لذا سأقول لكم من أنا :
أنا الخاضع لكل ما تُملونهُ عليّ ، صبيّ عمره عشر سنوات ، ابن لوالدين أنجبا لي إخوة واخوات .
أنا شاب بلغالسادسة عشرة من عمره،شاب يعجّ  نشاطا وحيوية ، ولا يفكر بشيء سوى اللقاء بالحبيبة التي سترافقه في رحلة العمر.
أنا الانمتزوج من حسناء احبها ويخفق لها قلبي في كل دقيقة .
أصبحت الان  ربّأسرة تعيش في رخاء واستقرار، وانجبت  اطفالاامنحهم كل حبي واهتمامي .
أنا الان في الثلاثين من عمري ، أرى اولادي ينشؤون أمامي ويترعرعون وما يسعدني فيهم انهممتلاحمون كالتحام أصابع اليد .
انا في الاربعينمن عمري ، غدت بناتي صبايا ناضجات وتركن البيتكما كان قد فعل اخوتهمقبل ذلك ، ولم يبقّ لي انيس الان سوى زوجتي .
الان وانا  في الخمسين ، وجدت نفسي محاطا من جديد بأطفال صغار ، يلعبون من حولي  .
لم أعد انتظر الأسوأ ، لأنالأسوأ قد وقع وداهمني كالصاعقة  ، لقد رحلت زوجتي ، فارقت الحياة وتركتني لوحدي.
رفعتُ رأسي قليلا باحثا عن طريق المستقبل ، وعندما لم ألقَ إلاّ ظلاماً ، اصبت برعشة وخوف شديدين ، لقد أمسيت لوحدي . اولادي منشغلون بأطفالهم ، والوقت يمرّ دون توقف وبسرعة مهولة.
بلغتُأرذل العمر ،ورأيت حتى الطبيعة قد واكبتني في شيخوختها ، فبدأت  تصبّ جام غضبها عليّ .
إن الشيخوخة نكتهثقيلة وسمجة، تساهم في زيادة غبائنا. الجسم يتهاوى، وتضعف نظارة الانسان وقوته الى حدّ الانعدام . انّي الان احمل داخل جسمي حجرة ثقيلة مكان القلب الذي كان ينبض بين اضلعي قبل سنوات.
غير انه وبالرغم من كل هذا ، أحسّداخل هذا الهيكل الهرم ، بشاب يحتمي في احدى الثنايا ويرقب .
يرفّ قلبي المتعبوينشرحلدى عودته لهذه الذكريات الجميلة.
وفي ذكرياتي لا انسى الاوقات الحزينة ، وهذا هو الذي يجعلني أن استعيد حياتي ، فاحب واعيش من جديد .
استعيد ذكريات   تلك السنين ، انها قليلة في عددها ولقدانقضت بسرعة .بالرغم من كل هذا ، انا راضٍتماما بهذا الواقع وإن كان مؤلما ، لأننا يجب ان نعي لحقيقة  لا يمكن تجاهلها وهي اننا زائلون ، ولا شيء يدوم الى الابد.
افتحوا اذن عيونكم ، افتحوا عيونكم ، وانظروا جيدا ، انا لست عجوزا مزعجا ، اقتربوا اكثر ، لكي تكتشفوا هذا العجوز بعيون اخرى.وختاما اقول : انا لا اقوى على منع الشيخوخة ، ولكني استطيع منعها من أن تحوّلني الى شخص عجوز.



Share me

Digg  Facebook  SlashDot  Delicious  Technorati  Twitter  Google  Yahoo