مرضى الإيدز في العراق يعانون العزلة وتهديد المجتمع

بدء بواسطة د.عبد الاحد متي دنحا, نوفمبر 04, 2011, 07:22:24 صباحاً

« قبل - بعد »

0 الأعضاء و 1 زائر يشاهدون هذا الموضوع.

د.عبد الاحد متي دنحا

مرضى الإيدز في العراق يعانون العزلة وتهديد المجتمع

وسيم باسم    GMT 17:00:00 2011 الثلائاء 1 نوفمبر


لا يكترث سعيد حسن لمرض المناعة المكتسب الذي يحمله ، بقدر القلق الكبير الذي يراوده جرّاء اتهام كثيرين له بالفساد الأخلاقي والشذوذ الجنسي والذي أدى إلى إصابته بالايدز بحسب اعتقادهم . ورغم أن مرض سعيد نتج من إصابته بجرح كبير بآلة حادة نقلت له الجرثومة إلا ان الجميع ينظر اليه نظرة احتقار معتبرين ما أصابه عقابا إلهيا جرّاء أفعاله المخالفة للدين .

__________________________________________________________

بسبب نبذ المجتمع له، اضطرّ العراقي سعيد حسن المصاب بالايدز إلى الهجرة من مدينة النجف ( 160 كم جنوبي بغداد) عام 2005 الى بغداد ، حيث يعمل الآن في التجارة الحرة في بغداد رغم التدهور المستمرّ في صحته وعدم قدرته على الاستمرار في العيش من دون عمل.

يصف سعيد إصابته بأنها نتجت من جرّاء جروح عميقة إثر شجار في المدينة مع بعض الشباب ، وبعد أسابيع من الحادث وبسبب تدهور حالته الصحية اضطر الى إجراء الفحوصات ليتبيّن فيما بعد أنه مصاب بمرض المناعة المكتسب .

منبوذ من المجتمع

وهاجر سعيد مدينته لأنه أدرك وقتها أنّه معرّض للقتل في أي لحظة بعد تهديدات تلقاها تفيد بأن إصابته بالايدز ناجمة عن ابتعاده عن الدين و شذوذه الجنسي. ويتابع سعيد .. اضطررت الى ترك أهلي ومدينتي ، بعدما أصبح التهديد جديا ، حين أطلق مجهولون " بمبة " امام المنزل ، كما بعث متطرفون رسالة لي يتهمونني فيها بالكفر والفساد .

ويحصل سعيد على مبلغ شهري قدره مائة وخمسون ألف دينار جرّاء إصابته بالايدز ، لكنه يشكو نقص العلاج المناسب ، وغياب الاهتمام المجتمعي والحكومي بمصابي الايدز في العراق. وهجر سعيد الكثير من أقاربه وأصدقائه ليبقى وحيدا عدا بعض المصابين بالايدز حيث يلتقون في أحد الكازينوهات في بغداد .

ويتذكر سعيد كيف انه يتردد مع صديق له من المصابين بالايدز على كازينو في بغداد لكن شاءت الصدفة ان يتعرف إليه أحد العاملين في المقهى ، ليطرد من قبل صاحب المقهى مع إبلاغه بعدم التردد إلى المكان ثانية. ويعاني المصابون بالايدز في العراق العزلة والاحتقار المجتمعي ، كما يشكون تردي الرعاية الصحية والاجتماعية التي يجب ان تتوفر لهم. ولا ينتقل مرض المناعة المكتسب عن طريق الاتصال الجنسي وبين الشواذ فحسب بل كذلك عن طريق الوشم ونقل الدم الملوث.

نظرة خاطئة

ويعيد ما حدث لسعيد الى الأذهان الكثير من الحوادث التي قتل فيها مرضى الايدز في الأعوام بين 2003 الى 2007 ، بسبب النظرة الخاطئة لحاملي المرض واعتبارهم فاسدين وخارجين على الشرع والدين و الأخلاق. فقد اطلق الرصاص على فريد عباس الحامل للمرض طيلة عشر سنوات ، وهو في عقده الأربعيني من قبل مسلحين في أحد شوارع بغداد بسبب اتهامه بالفسق لأنه يحمل فيروس المناعة المكتسب الايدز ، وأخبره الفاعل قبل ذلك انه سيقتل لأنه يحمل مرضا " مخلاّ بالآداب" بسبب ابتعاده عن المعتقدات الإسلامية .

وفي 30 تموز(يوليو) 2007 قتلت زوجة عباس هنية عمر التي كانت أيضا حاملة لفيروس الايدز، رميا بالرصاص. ورمى المهاجم رسالة قرب الضحية، تنص "هذا هو جزاء امرأة مسلمة تتعاشر مع رجل قذر دمه مصاب بشائبة من الشيطان" .

وبحسب منظمة اليونيسيف، فإنه تم اكتشاف 480 إصابة بهذا المرض منذ عام 1986 وحتى نهاية عام 2008 منها 274 إصابة بين العراقيين وقد توفي معظمهم، فيما لا يتجاوز عدد الأحياء منهم 44 حالة.

أمراض جنسية في بيئة محافظة

تعد الإصابة بأمراض جنسية في بيئة دينية محافظة ، من القضايا التي تتطلب التكتم لاسيما مرض الايدز حيث تعزوه الأفكار الخاطئة الى الممارسات الجنسية الخارجة على المعتقدات الإسلامية مثل اللواط أو ممارسة الجنس من دون الزواج او العلاقات المثلية. وقبل العام 2003 كانت السلطات المعنية تحتجز المصابين بالايدز،في مستشفى خاصّة .

وبحسب الرابطة العراقية لمساعدة المرضى المزمنين، فإن الكثير من العراقيين ما زالوا يعتقدون أن المصابين بالايدز هم أعضاء فاسدون في المجتمع ويجب التخلص منهم .

رسالة تهديد

وبسبب مثل هذه الاعتقادات ، اضطر سليم حسن في الديوانية (193 كلم جنوبي بغداد) الى مغادرة الحي الذي يسكنه بعدما تلقى تهديدات بالقتل اذا لم يغادر الحي ، وجاء في رسالة التهديد ان أهالي الحي مضطرون إلى فعل ذلك خوفا على صحتهم .وقبل أن يغادر سليم تعرض أثناء تجواله الى الرمي بالحجارة من قبل أناس اختفوا خلف أسوار البيوت. ويقول سليم : أنا اعرفهم ، إنهم جيراني وأصدقائي بل وأهلي لكنهم اليوم يريدون مني ان ارحل .

دم ملوث

وتعود قصة الايدز في العراق الى فترة منتصف الثمانينات حين كشفت وسائل الإعلام عن دخول دم ملوث عبر شركة ماريو الفرنسية ما تسبب بإصابة 273 مواطنا عراقيا اغلبهم من الأطفال في العام 1986.

وبحسب خالد علي جبر من معهد العوز المناعي التابع لوزارة الصحة العراقية فإن المطالبات والاحتجاجات أمام السفارة الفرنسية والتي بدأت منذ العام 2005 اسفرت عن نتائج متواضعة حيث وافقت السفارة على تعويض كل مصاب بمبلغ 25 ألف دولار ، وخصصت الحكومة مبلغ 200 دولار شهريا لكل مصاب في هذه القضية الذين يبلغ عددهم الآن أحد عشر مصابا من المجموع الكلي البالغ نحو ثلاثمائة مصاب. ولا يمكن التوصل الى الرقم الحقيقي لعدد المصابين بالايدز في العراق اليوم ، فبينما تقول جهات صحية ان هناك نحو عشرة آلاف ، فان وزارة الصحة تعلن ان هناك نحو مائة مصاب .

وبحسب حيدر علي الطبيب في مستشفى بابل (100 كم جنوب بغداد) فان إمكانية العثور على مصابين بالايدز لم يراجعوا الجهات الصحية أمر وارد جدا . ويتابع : قلة الوعي تجعلنا نتخوف من مصابين مجهولين بيننا ، ويمكن عن طريقهم ان تنتقل الجرثومة بسهولة ويسر الى آخرين .

ويحلم أغلب المصابين بالايدز في العراق بالهجرة الى أوروبا ، ويتصورون ان الأمر في غاية السهولة لان الدول الأوروبية ستستقبلهم لأسباب إنسانية . وجرب احمد محيي المصاب بالايدز منذ العام 2007 بالانتقال الى أوروبا عبر الأردن حيث مكث في عمان لمدة ثلاث سنوات لكن دون جدوى .

الانتقام من المجتمع

ويقول الباحث الاجتماعي كريم حسين ان كل مرضى الايدز العراقيين مصابون بأمراض نفسية خطيرة بسبب محاصرة المجتمع لهم ونبذهم حتى من قبل أقرب الناس اليهم ما يقوّي في دواخلهم نزعة الانتقام من المجتمع .

ويعتبر محيي نفسه ضحية مجتمع تسبب بإصابته بالايدز . ولا يؤمن محيي بما قاله له الأطباء من ان إصابته ناجمة عن نقل دم ، ويعتبر نفسه ضحية مجتمع غابت عنه العدالة الاجتماعية والخدمات الصحية ، بل ويحمل محيي روحا انتقامية لأقرب الناس اليه بينهم والده وإخوانه ، بعدما تركوه وحيدا ، فريسة للمرض والحياة الصعبة على حد تعبيره .

الجرثومة من خارج الحدود

واكتشفت السلطات المختصة الكثير من حالات الإصابة بين خادمات آسيويات وعمال أجانب قصدوا العراق منذ العام 2003 ، وكل ذلك يعود الى غياب الرقابة الصحية الصارمة على الوافدين الى العراق ، وغياب التقنيات الحديثة في الفحص إضافة الى الفساد الإداري والمساومات التي تتيح للشركات إدخال منتسبيها الى داخل العراق .

وبحسب الدكتور بهجت عبد الواحد ثابت ، معاون مدير البرنامج الوطني لمكافحة الإيدز فان الفساد الإداري عبر المنافذ الحدودية يجعل من عمليات الفحص أمرا ليس ذا جدوى ، كما لا يخضع منتسبو الجيش و المجندات والمقاولون وحراس الشركات الأمنية إلى الفحص عند دخولهم العراق.

لكن العراق لا يزال أقل دول العالم إصابة بالايدز بحسب الإحصاءات المتوفرة والتي هي غير دقيقة ، وتقول تقارير ان نسبة الإصابات هي أقل من 0.01% من عدد سكان البلاد.

وكخطوة متقدمة اقترحت وزارة الصحة في إقليم كردستان منح المصابين بمرض نقص المناعة المكتسبة "الايدز" راتباً شهرياً قدره 150 ألف دينار عراقي ، حيث سجلت العام الحالي 15 حالة إصابة بالايدز في اقليم كردستان، 13 منهم في حالة خطرة لكونهم من حملة الفيروس.

http://www.elaph.com/Web/Health/2011/11/693068.html
لو إن كل إنسان زرع بذرة مثمرة لكانت البشرية بألف خير