المحرر موضوع: سفرة برية الى العراق قبل عشر سنوات  (زيارة 2042 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل simon kossa

  • عضو جديد(برطلايا خاثا...)
  • *
  • Thank You
  • -Given: 1
  • -Receive: 0
  • مشاركة: 39
سفرة برية الى العراق قبل عشر سنوات
« في: يناير 20, 2011, 11:05:17 صباحاً »
سفرة بَرّية الى العراق قبل عشر سنوات
شمعون كوسا

قبل أيام ، وضمن عملية ترتيب بعض الاوراق وتصفية القديمة منها ، عثرتُ على قصاصة كنت قد دوّنت فيها تفاصيلَ عن سفرة قمت بها ، سنة 2001،  من الاردن الى العراق . كنتُ قد قمت قبل ذلك بعدة سفرات من العرق الى الاردن وبالعكس ، وكنت قد حظيت آنذاك ببركات طريبيل والانتظار في الحدود أحيانا لاكثر من عشر ساعات ، ولكن هذه الزيارة ، التي  أتردّّد بسردها ، أتت في أزمنة كان قد أخذ الملل من نفوس العراقيين مأخذاً وبلغ حدّاً لا يطاق ، تعب متراكم سبّبته حروب لم تنتهِِ ابدا بشكل تامّ ، وحصار جائر جعل الناس لا يطيقون نفسهم ، أو ظروف قاسية حوّلت اغلب المسؤولين الى اشخاص مستهترين ، وقلّبت امور الاهالي ظهرا على عقب ،  فاصبح الغنيّ فقيرا والسيد خادما والشبعان جائعا والكريم شحاذا . كما سنرى فيما يلي .
إني في حديث اليوم بعيد كلّ البعد عن الخيال والغيوم والاجواء العالية والاشجار والعصافير والقمم العليا والفضاءات اللامتناهية والافاق البعيدة والالحان الشجية التي كانت وستبقى مصدر إلهامي الكبير . سأخوض المغامرة في أجواء جافة ،  وأنا شبه مقتنع بان بعض المتصفّحين سيتثاءَبون  من اول السطور ، والبعض سيجاملني ويواكبني الى منتصف الطريق ، ولربما القلة المتبقية ستصبر الى النهاية ، لاستعادة بعض ذكريات لها عن ظروف غريبة واحداث مضحكة ، مبكية .   
فلنبدأ  اذن :

بعد عبور الحدود الاردنية بهدوء نسبي ، وصلنا الى طريبيل  واستبشرنا لخلوّ الساحة ، إذ  لم يكن امامنا غير  سيارتين . حمدنا الله مسبقا وقلنا بان حِملنا سيكون اليوم خفيفا وسننطلق بسرعة . لكن أول خيبة أمل أتتنا من المسؤول الجمركي الذي لم يسمح لنا بالنزول من السيارة الا بعد ثلاثة ارباع الساعة . عند نزولنا من السيارة ، احاط  بنا على الفور اربعة اشخاص مكلفين بمساومتنا على اختصار التفتيش والتخفيف من بعض تعقيداته  . بعد أخذ وردّ بين السائق والمفاوضين ، تمّ الاتفاق على تنفيذ مشروع التفتيش بثمانية آلاف دينار عراقي . بعد التوقيع بالاحرف الاولى على الاتفاق الشفوي هذا، انتظرنا خمسا واربعين دقيقة اخرى خارج السيارة لاتاحة المجال لنفس المسؤول في القهقهة وانهاء حديث فكاهي كان قد بدأه مع زميله. انتظرنا بصمت خشية اثارة غضبه  والتعرض الى عقاب تأخيري آخر . عند تسديدنا للمبلغ المتفق عليه ، تمّ مطالبتنا بالفي دينار اضافية بحجة ان المفاوض الاول  لم يأخذ بالحسبان حصة المسؤول المقهقه الذي لم يخدمنا بشئ الا  في تأخيرنا . تخيّلوا بان كل هذا يجري علنا ودون خوف او خجل . تمّ تفتيش السيارة بالكامل ، كما تمّ قلب كل شئ داخلها، وحتى المقاعد رُفعت من مكانها . 
أمام قساوة مأمور الجمارك وحرارة الجو التي لا تطاق ، لم اتمكن من كبح خيالي ومنعه من الانطلاق لثانيتين فقط ،  ليقول :   إذا حدث وان تجرّأ (النسيم العليل)   واقترب من طريبيل في هذا اليوم الجهنمي لاسعافنا بقليل من رطوبته ، ألا يمسك  به هذا المسؤول الجمركي من اذنه ويعاقبه باشباعه حرارة وبتغيير اسمه واسم ابيه من نسيم عليل الى  (لهيب حارق) مثلا ؟ !!
 المرحلة الثانية المضحكة المبكية بدأت مع الفصل الخاص بعملية فحص الايدز . تبدأ سلسلة المراسيم هنا بمراجعة شخص كبير السن تقتصر مهمّته على تدوين الاسم ورقم جواز السفر على ورقة باربع نسخ . كان كاتبنا هذا ضعيفا باللغات الاجنبية ، فاضطررت الى إملائه المعلومات ، وتهجية الكلمات التي كان يحتاجها من الجواز الاجنبي ، وبالرغم من حرصي الشديد على اللفظ  بصورة سليمة ،  جاءت الكلمتان اللتان كتبهُما بأكثرَ من خطأينً . بعد تدوين معلوماته ، ناولني الشيخ  النسخة المقروءة ، لان النسخ الاخرى خرجت من تحت كربون اُستخدِم لخمسين مرة على الاقل ، وطلب مني مراجعة مصرف الرافدين في طريبيل لتسديد خمسين دولارا تمثل رسوم الدخول الوطن، ولكنه قبل انصرافي طالبني باول اكرامية . كنت على دراية بهذه العادات العشائرية الحميدة ، فدفعت أول دينار اردني . عند عودتي من مصرف الرافدين ، أعاد إليّ العمّ الجواز مع النسخ الاخرى غير المقروءة ، واشار لي  بمراجعة زميله لكي يعيد تسجيل نفس المعلومات في سجل خاص. ناولنا الموظف الثاني أنبوب المختبرلسحب الدم لقاء اكرامية ثانية دُفعت حسب الاصول . وهذا بدوره وجّهنا الى المسؤول عن سحب الدم الذي استقبلنا بابتسامة ذات مغزى وطالبنا مسبقا بمبلغ دينارين اردنيين قائلا : سوف لن اوجعكم وساستخدم لاجلكم ابرة جديدة . فقلت في نفسي ، هل هذا يعني بانه يستخدم نفس الابرة لعدة مرات ، أم لعلّ هذه ديباجة يرددها على مسامع كافة المسافرين !!؟   فاعطيناه المبلغ شاكرين . بعد سحب الدم ، بلغنا مرحلة  توقيع الطبيب ، كنـّا على بُعد خمسة وثمانين سنتمترا فقط من غرفة الطبيب عندما فاجأنا فراش وُضع خصيصا لمفاجأة المراجعين ، فانتزع منا الاوراق ليدخل بها الى الطبيب ، والهدف هنا ايضا ليس غير الرغبة في إضفاء صفة الشرعية على اكرامية لا بدّ له من الحصول عليها أسوة بزملائه .
وبهذا انتهينا من هذه العملية التي ، باعتقادي ، كانت مصدر ازعاج للناس غير انها كانت مصدر رزق للمسؤولين ، وإلاّ ،  فما هي الحكمة من سحب دمٍ لا يُفحص اصلا ولا يُتابَع امرُه ؟ وبعد كل هذا، يجب وضع ختم خاص على الجواز لتخليد الإجراء للاجيال القادمة !!.

بعد عملية سحب الدم ، طـُلِب مني مراجعة ما يسمى بقسم الكومبيوتر ، قسم يديره رجل أمن برتبة ضابط . طار المسؤول فرحا لرؤية الجواز الاجنبي وبادرني بابتسامة : ماذا جلبتَ لي معك من فرنسا ؟ فاجبته بانني قادم من الاردن ، وناولته دينارين ، فقال : ان المبلغ قليل  إرفعه الى خمسة دنانير ، فناولته المبلغ دون نقاش. بعد طرح بعض اسئلة عن موضع اقامتي ومدتها في العراق ، ختم الجواز وتنفست الصعداء لاني كنت قلقا لاسئلة محرجة قد تخطر بباله حول الجواز الاجنبي وكيفية الحصول عليه ومصير الجواز العراقي وغيره . انتهت معمعتنا الطريبيلية مع آخر شرطي لم يكن همّه التأكد من جوازنا بقدر ما كان حصوله على آخر دينار . انطلقت السيارة داخل العراق مسرعة كالغزال ، خشية ملاحقتها من مسؤول قد نسي حصته او ندِمَ لانه لم يطلب اكثر !! وصلنا بغداد بعد منتصف الليل .

في اليوم التالي ، وبغية كسب الوقت ، كان علينا استحصال تأشيرة خروج من العراق لزوجتي ، لان سفرتنا كانت محددة باسبوع . وطننا العزيز هو البلد الوحيد في العالم الذي يطالب مواطنيه بتأشيرة خروج من البلد لقاء مبلغ قدره  412 ألف دينار عراقي . المشكلة هنا تكمن في وجوب تقديم المبلغ  بصكين مصدّقين منفصلين . بعد ثلاث ساعات ، تمكنّا من التخلص من كيس الدنانير النقدية التي كنا نحملها وتحويل المبلغ الى الصكوك . كان هذا في يوم 15 تموز ، في احد فروع مصرف الرافدين في الشالجية . أغلب الظن ان هذا المصرف يُستخدم ايضا كـ (ساونا)  لانه كان خاليا تماما من اي نوع من وسائل التكييف او حتى التهوية . كان المراجعون يتصببون عرقا وكأنهم خارجون فعلا من مسبح حار جدا .  عند مناداة اسمي ، اقتربتُ من الموظفة في البنك وناولتها دينارين اردنيين دون ان تطلب مني ولكنها فرحت بها كثيرا . متشجعا بابتسامتها ، اردت ان اعبّر عن بعض امتعاضي فقلت لها : كان الله بعونكم ، هل يُعقل بان يعيش الانسان في وضع كهذا ، بعيدا عن التقدم الحاصل في العالم ؟ فالتفتت الموظفة يمنة ويسرى في محاولة لاغلاق آذان الحيطان القريبة منها ، واكتفت بالقول : وهل في اليد حيلة ؟
من بين المستندات العديدة التي لا بدّ من توفيرها للحصول على التأشيرة كانت بطاقة السكن،   وهذه مطلوبة حتى ان لم يكن الشخص من سكنة بغداد .  لجأنا في هذا الامر الى السائق الذي استحصلها بواسطة مختار محلته ، لقاء حفنة من الدنانير العراقية المطبوعة . انطلقنا بسرعة الى دائرة جوازات الزيونة ، استلم المسؤول المعاملة ، وعندما رآنا متلهفين لانجازها ، قررتأجيل كافة المعاملات الى يوم الغد ، بالرغم من بقاء ساعتين على انتهاء الدوام . انزعجتُ من قراره ، لان فقدان يوم واحد كان كثيرا بالنسبة لنا ، وبما انه لا يحقّ لي  الاعتراض ، توسّلت اليه مستخدما كافة المرادفات بما فيها التضرع والابتهال كي ينجز معاملتنا مُدّعيا بان على زوجتي العودة الى الاردن بعد يومين . فسألني بنبرة متعالية عن هويتي وكيف اسمح لنفسي بالتدخل في الامر ، فقلت له إني زوجها ، فقال : واين معاملتك انت ، فاجبته باني احمل جوازا اجنبيا ، فانفرجت اساريره  وقال :- لقد جنيت على نفسك- . خفتُ كثيرا من كلامه لان مثل هذه الكلمات تعني الكثير في بلد لم يرَ المواطن منه الا المضايقات والملاحقات ، ولكني فهمت من الموجودين بان صاحبنا اكتشف في شخصي بقرةً حلابة ، فخاطبت نفسي مرة اخرى قائلا  بانه حتى هنا ، لا يختلف المسؤولون عن زملائهم في طريبيل ؟. تمّ التلميح للضابط بان البقرة التي امامه مستعدة للتخلي عن كمية من حليبها . فعلا  تمّ حلب البقرة بالكمية التي اشبعت الضابط  ، ودُفِع الحليب ، العفو ، المبلغ المطلوب مع الحصول على وعد صريح  منه بتنفيذ التأشيرة . انتظرنا طويلا دون جدوى ، لانه في هذه الاثناء تغير الضابط الرضيع ، وزميله الذي حلّ محله أتى مُعلناً بصوت عال بأنّ صاحبة هذا الجواز هي من مواليد الشمال ، وكان من الخطأ استلام جوازها !!. لم اصدّق الامر ، لأن صاحبة هذا الجواز كانت قد حصلت أصلا على جوازها  من هذا المكتب ، ونفس هذا المكتب كان قد اصدر لها تأشيرتين قبل الان ، فما الذي تغيّر؟!! وقلت في نفسي مرة اخرى : اذا حدث وان انجبت عائلة امريكية متواجدة في شمال العراق طفلا ، فهل يُطلب منها الرجوع ، في معاملاتها ، الى البلدة التي ولد فيها جونسون الصغير ؟ بعد انقضاء ساعة فهمنا بان صاحبنا الجديد يبحث عما تبقى من الحليب ،فتمّ له ما يرغب ،  وهكذا اصبحت الكمية الشاملة المصروفة من منتج الالبان هذا يعادل ثلاثين الف دينار .
وهنا اكون قد انتهيت من سرد المرحلة الاولى من الرحلة ، و لا اعرف هل سأستمر في البقية ام لا ، لاني سابدو كالذي يقص حكايته لنفسه !!
ولكي لا اتسبب في ضجر ٍأراه قد بدأ يتغلغل داخل النفوس ، اختصرُ قائلا بان المسافة بين بغداد واربيل مروراً بكركوك لم تكن الا محطات لإغداق الاكراميات ، حيث كان الدينار المطبوع سيد الموقف . ولكي اوجز اكثر اقول بان العودة كانت نسخة من الذهاب ، باستثناء مسلسل الآيدز الذي أخلى مقعده لمشهد مع السلطات الجمركية  في طريبيل او بالاحرى مشادّة كادت توصلني الى المحاكم بسبب حملي لخمسمائة وخمسين دولاراً . كنت احمل اضعاف هذا المبلغ عند دخولي البلد ، غير ان القانون لا يسمح بالخروج باكثر من خمسين دولارا. لم يتجاوب المسؤول مع أيّ تبرير ، حتى عند اعلاني عن  حاجتي لتذكرة طيارة بعد يومين  ، فقرّر حجز نصف المبلغ على ان يقوم السائق بسحب المتبقي بعد اسبوع  !! هنا ايضا لم افهم حكمة الحجز هذه  والسماح للسائق بسحب المبلغ بعد اسبوع !!.

في الختام ، أكتفي بما يلي : كلّ مرة اقول ما الفائدة من ترديد موضوع قد كرّره الكثيرون من قبلي ، غير إني اضيف بانّ ما جرى كان طبيعيا جدا في بلد تخلـّف عن ركب الحضارة ومراحل التطور ، في بلد إنصرف مسؤولوه للتقوقع على ذاتهم  مع التركيز فقط  على ملء بطونهم وتدوير دخلهم الشهري او تكديس اكرامياتهم ، حتى اذا كان ثمنُ ذلك إهانةَ مواطنيهم وإذلالهم ، اشخاص أنانيون يخافون من تسهيل امور المواطنين ، خشية ارتكاب مخالفة لقوانين خاصة بهم ، أو تلقـّي العقاب ممّن يفوقونهم مرتبة أويرون الامور بشكل مغاير لهم .
Kossa_simon@hotmail.com
« آخر تحرير: يناير 20, 2011, 11:14:26 صباحاً بواسطة برطلي دوت نت »

غير متصل salemsallow

  • عضو جديد(برطلايا خاثا...)
  • *
  • Thank You
  • -Given: 0
  • -Receive: 0
  • مشاركة: 35
  • salemsallow2@gmail.com
رد: سفرة برية الى العراق قبل عشر سنوات
« رد #1 في: يناير 21, 2011, 05:47:30 صباحاً »

بالرغم من هذه (؟) لا زال الكثيرون يترحمون على ذلك الزمان الذي أشبعنا ضيما ونحن نعيش على بحر من البترول! كنا نعيش في سجن أسمه العراق، كنا عراقيون ولكن غرباء في بلدنا، كنا نخاف من أنفسنا، فكيف من الغير؟ المشكلة الخطيرة هي ان الكلام لا ينفع، فمن يسمع؟ يجب أن نغير الانسان! نستطيع أن نغير الأرض والزرع والجبال ومجرى الأنهار .. ولكن لا نستطيع أن نغير الانسان.
من المسؤول؟

سالم بهنام سلو
salemsallow2@gmail.com

غير متصل ماهر سعيد متي

  • مشرف متميز
  • Hero Member
  • ******
  • Thank You
  • -Given: 382
  • -Receive: 84
  • مشاركة: 22731
رد: سفرة برية الى العراق قبل عشر سنوات
« رد #2 في: يناير 22, 2011, 08:26:27 مسائاً »
لكل عراقي قصصه التي لا تخلو من المعاناة .. انشاءالله تكون السفرة القادمة اقل عناءا ..تحياتي
« آخر تحرير: يناير 22, 2011, 08:39:00 مسائاً بواسطة ماهر سعيد متي »
مقولة جميلة : بدلا من ان تلعن الظلام .. اشعل شمعة

غير متصل karam bahoo

  • عضو متميز(برطلايا اصلي...)
  • ***
  • Thank You
  • -Given: 7
  • -Receive: 0
  • مشاركة: 143
رد: سفرة برية الى العراق قبل عشر سنوات
« رد #3 في: يناير 24, 2011, 12:11:39 صباحاً »
للاسف الشديد هذه الحقيقة ولاندري الى اين سوف يصل الدهر بالعراق ؟؟؟؟؟؟؟


Share me

Digg  Facebook  SlashDot  Delicious  Technorati  Twitter  Google  Yahoo