يونيو 15, 2020, 09:41:34 صباحاً بواسطة admin | مشاهدات: 7406 | تعليقات: 0

تابعوا اخر اخبار برطلي على صفحتنا على الفيسبوك "BartellaCafe"
https://www.facebook.com/BartellaCafe-120366974674984
بسبب الانتشار الكبير لاستخدام مواقع التاصل الاجتماعي ولسهولة استعمالها من قبل الجميع صغاراً وكباراَ على حد سواء ... قررنا نقل كل ما يخص موقعكم برطلي نت تدريجياً الى صفحة الموقع على الفيسبوك ...

ادارة الموقع

المحرر موضوع: حكاية فنان اخطأ دعوته  (زيارة 2039 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل simon kossa

  • عضو جديد(برطلايا خاثا...)
  • *
  • Thank You
  • -Given: 1
  • -Receive: 0
  • مشاركة: 39
حكاية فنان اخطأ دعوته
« في: فبراير 20, 2011, 10:01:11 صباحاً »
حكاية فنان أخطأ دعوته
شمعون كوسا

لقد اعتدت على أن اقوم بجولة يومية ، في نزهة تقودني في مختلف الاتجاهات. وبما انه يستحيل عليّ إيجاد  ثلاثمائة وخمسة وستين مسارا مختلفا لكافة ايام السنة ، فاني اُضطرّ لاتخاذ نفس المسلك لعدة مرات في الشهر . ذكرت هذا لاقول بانّي اخترت من جديد شاطئ نهر صغير كنت قد طرقته عدة مرات قبل الان . هذه المرة  لم أكن حائراً  ولا هائما على وجهي ، بل كنتُ مرتاح البال اتوقف لأمعِن النظر في كل ما جاور الشاطئ من نبات وأحياء ، ومشيت هكذا الى ان بلغتُ مصطبة الرجل العجوز الذي كنت قد التقيته في قصته عن الحنين الى الشباب . 

حال وقوع نظر الشيخ عليّ إنفرجت اساريره ودعاني للجلوس ، وكأنه كان فعلا ينتظر قدومي .  بعد تبادل كلمات الترحيب واستقصاء كل واحد منا عن امور الاخر ، راعينا برهة صمت ، ومن بعدها فوجئت برفيقي الشيخ ينطلق في غناء خفيف . فوجئت ، بسعادة ، لسماع صوت جميل جدا. نغماته هزت أبعد الاوتار داخل نفسي . بعد خمس دقائق من الغناء البديع ، سكت رفيقي والتفتَ اليّ معتذرا لانفراده بالغناء دون استئذاني ، وقال :   كنت قد بدأت لحنا وضعني في حالة تأثر عميق لا سبيل لانهائها إلا بإنتهاء اللحن .
قلت له : ياصاحِ لقد اخذتني بعيدا بصوتك الشجي  وغنائك الرائع ، ولستُ مبالغا ان قلت لك  قلـّما سمعت مثل هذا الصوت ، وِلكن لماذا  اخفيتََ عني موهبتك هذه؟ فهزّ الشيخ رأسه قائلا : إن قصتي طويلة مع الصوت واللحن والغناء . لاني منذ صباي كنت احلم  بان اغدو مطربا ، غير ان سفينتي اقتيدت برياح غير رياحها ، وفقدتُ دعوتي .
وتابع قائلا : لقد اكتشفتُ صوتي منذ نعومة اظفاري من خلال مذياع (راديو) كنت اسمعه بانتظام لدى بثِـّهِ اغاني جميلة للمطربين الاوائل ، فكنت اردّد اغانيَهم ، كنت انطرب شخصيا  ، كما كنت الاحظ أيضا انطرابَ الاخرين من حولي .
 وبهذا الخصوص اتذكر يوما وانا جالس لوحدي أمام دارنا ، انطلقتُ في الغناء بطبقة عالية جدا ، مقلدا احد المطربين . فعلتُ ذلك وانا اعلم جيدا بان جمعا غفيرا ، من نزلاء الفندق الذي بجوارنا، كانوا جالسين في الحديقة  لتناول الطعام او احتساء مشروب . حال ابتدائي بالغناء ، خيّم صمت عميق على الطرف الاخر . واختفى الضجيج كاملا  أمام صوت فتِيّ لم يهتدوا الى مصدره .
 واضاف الشيخ قائلا : وفي السياق نفسه ، اتذكر حادثة اخرى قد تدعو للضحك. دعتني والدتي ، وانا صبيّ ، لتلاوة الوردية . لم يعجبني طلبها لانه  تزامن مع فترة كنت انتظر فيها اغنية عزيزة عليّ . قلت لها : لا بأس في ورديتك ولكني بعد عشر دقائق فقط سافتح المذياع ، فقالت لا تخف لان الصلاة لن تستغرق طويلا . أزفت الساعة المرتقبة ، فتركت كل شي وفتحت الجها ز  وكانت الاسرار في خـُمسها الرابع . أمام عيون امي التي توسعت لوماً ، قلت لها كنت قد حذرتك، وفي ذلك الزمان لم اكن على اطلاع بالمثل القائل : ولقد اُعذِِر من أنذر .

حاولتُ ان اخفف شيئا من احساس صاحبي بالاحباط جرّاء عدم تحقيق دعوته كمطرب، فقلت له : أمّا عن موضوع رغبتك في احتراف الطرب، اعتقد بانه ، بالرغم من امتلاكك الصوتَ الجميل ، وبالرغم من موهبتك ، لما كانوا قد منحوك فرصة لتحقيق هدفك ،  لان الفن ، كالمجالات الاخرى في بلادنا ، تتحكم فيه ايادٍ وقوىً لا تمتّ بصلة الى الفن ، فالمصالح ، والمحسوبية والمنسوبية لها الدور الاهم في النجاح او الفشل في هذه المجالات . فالمغنيّ الذي يفتقر الى ابسط المقومات ، وقد  يكون حتى قبيح الصوت ، له حظ  أوفر منك ، لانه يكون صاحب امكانيات لا تملكها انت . انت معك المهم وهو الصوت الجميل ، اما هو ، فمعه المادة التي اتخمت بطونا  واعمت عيونا. بوسع صاحب المال توفير الالات والملابس والديكور والراقصات ، فضلا عن اغداقه بكرم على من يتولى اخراج اغنيته ، بالصخب والايقاع الكفيلين باخفاء عيوبه .
بعد هذا قلت له : يا صديقي ، إنسَ الان وشنف آذاني اتوسل اليك ، لاني اتحرق شوقا لسماع المزيد من صوتك ، اريد ان ارتفع معك في اجواء تبعدني عن كل ما هو منظور .
استقام رفيقي في جلوسه وتوجه بانظاره الى حيث تدخل الارض في ابعد نقطة تماس مع القبة الزرقاء ، وانطلق في الحان تخيلتُ فيها نفسي سامعا عبد الوهاب وهو يتسلق السلم الموسيقي وينزل وهو مغمض العينين ، واسمهان التي لها في كل كلمة رنـّة ، وفيروز التي تسمو بالانسان عاليا بصوتها الرفيع الشفاف ، ووديع الصافي الذي يهلل فوق الروابي والجبال ، وليلى مراد التي تتغنى بالجو الرائق والصافي بصوتها المتميز ، وحتى فاضل عواد الذي يمسك بالليل و لا يفلته الا بعد جعل النجوم  تنقلب الى قلائد  والقمر شذرا .
واذا كان عليّ ان اصف غناءه  أو أرسمَه ، فاقول : إستهل رفيقي غناءَه بهدوء وبطبقة خافتة  ، وبدأ بصعود تدريجي أبطأته  قوة الرياح غير المستقرة التي كانت تميل بصوته يمينا ويسارا،  وبعدها انطلق كالسهم الى الاعالي في نغمة لم اسمعها مِن قبلُ ، كي يهبط بنفس الخفة الى حيث كان قد ابتدأ . اغمضتُ عيني لأتابع مسار صوته ، فرأيته ينطلق مرة اخرى من طبقة وسطى ، يغني ويصمت ، ويميل يمنة ويسكت ، ويتجه  بانحناءة واسعة تناطح بعض الغيوم ،  ويبرح الغيوم  كي يعود لمنعطف جميل يحرك اوتار مخفية داخل النفس . وفي تحرك غنائي جديد ،  تأهّبتُ مترقـّباً ما عساه يفعل في انتقاله السريع هذا  وكسراته وهل سيأتي بالعذوبة التي اتوقعها ، ففاجأني  بما هو ابدع منها . بعد هذا ، ختم هذا الجزء من فقرته بلحن انتهى بما يُشبه حبات شفافة تفتـّقت منتشرة كالاسهم النارية وتفجرت ثانية وثالثة ورابعة لترسم اشكالا بالوان خلابة ، لم ينتظر كثيرا في لملمة  حبّاته عبر لحن آخر تخيلته وكأنه يلقي بقلادته  في كافة الاتجاهات ، وهكذا بين كرّ وفرّ ، ورقص وتوقف ، وغناء وسكون ،  وانتقال بين مقامات النوى والصبا ، والسيكا والرست ، والحجازي والبيات ، وبعد ان حمل النفس من افتنان وانخطاف الى ارتياح وسعادة ، هبط بهدوء في نغمة اخيرة هادئة  ، لينثر حباته الشفافة الزاهية ، ويتمتع بمشاهدة اضمحلالها ببطئ  بين المياه والاشجار والورود .
 تمّ كل ذلك بخفة تامة ووجه لم تفارقه البسمة وحركة أيدٍ تتمايل مع الكلمات ، ورجفة مقصودة تستهدف غربلة سعادة يُخشى من انطفاء جذوتها !!!

في هذه الاثناء كان هناك بلبل على الشجرة ، لا ينقطع عن التغريد ولكن جوّ الافتنان الذي خلقه صوت الشيخ ، جعله يتوقف عن تغريده ، ويستغل فقط  لحظات صمت المغني أو تأمّله  لارسال تغريدة أو تغريدتين ، وحتى جاره الغراب ، اوقف نعيقه احتراما للموقف ،  (وليس كبعض ممّن لا يختلفون كثيرا عن الغراب بنعيقهم واصواتهم النكراء ، تراهم  يصرّون على القول والترتيل في كافة المناسبات وبصوت عال . وارجو هنا ألاّ  يُساءَ فهمي ،أويُفسَّر كلامي خطأ) !!!! 
بعد  هذا ، بدأ الشيخ يكلمني عن الطرب الاصيل الذي بدأ ينقرض، وعمّا آلت اليه الحال مع جيل جديد لا يؤمن الا بالصخب . كلمات طنانة ، لحن رتيب وصوت لا يحتاج الى عذوبة لان الالات كفيلة باخفاء عيوبه . والمطرب ، فكل ما مطلوب منه هو المظهر والاناقة ، وفرقة رقص مغرية . والناس يكونون قادمين للرؤية اكثر منه  للسماع . أما الالحان ، فان معظمها مزيج من اجزاء مقتطعة من هنا وهناك ومسروقة من الموسيقى الفلانية واللحن الفلاني . واضاف قائلا : انا افضل الغناء بصحبة شخص او شخصين يشعران بجمال ما يقال من جمهور قادم للتصفيق فقط .
 
قبل ان انهض لتوديعه ، قلت له : لقد اغرِِمت بصوتك ، ارجوك ان تختم لقاءنا بلحن بسيط . أطرق رفيقي رأسه ، وبعد برهة صمت قصيرة ، وضع يده تحت اذنه وتناول لحنا حزينا ، لحنا  يقطر دما ، لحنا تجدُ فيه نفسَها كلّ روح مكلومة او من تحتفظ في اعماقها باسرار أليمة . تهدّج صوته ولم يقوَ على انهائه وتوقف.  إلتفتّ اليه ورأيت دمعة كان قد حبسها ولكن دون جدوى ، لانها انسكبت حالا وعقبها سيلُ آخر من الدموع  ، فقمتُ وحضنته طويلا بدموع امتزجت بمجرى دموعه ، وقبّلته من رأسه وقلت له،  لا اجرأ الان على سؤالك ، لكني ساعود يوما لاقرأ  سرّ حزنك العميق ، فأشار إليّ  بيد  رافضة وقال : يا صديقي لا تعتمد على لقاءات كسابق الايام . لا شك ان الروح تعشق الغناء ، ولكنها مقيدة بجسد اصبح عرضة لكثير من التقـلبات ، فالامراض قد عشعشت فيه ، مِنها مَن تزوره  بعقود استئجار مؤقتة ، ومنها المستوطنة التي استملكت مساحات مهمة ، واسست قاعدة متينة تنسف ، باحزمتها  ، في ليلة واحدة ، كلّ ما تمّ ادامته  لشهر كامل  .
بعد هذا الكلام،  قفلت راجعا الى داري ،  وانا احاذي النهر من يميني واحاذي في خيالي سيل الترعة التي شقّها الشيخ بعبرات الحزن ودموع السعادة .

Kossa_simon@hotmail.com
 
« آخر تحرير: فبراير 20, 2011, 12:02:55 مسائاً بواسطة برطلي دوت نت »

غير متصل sarmadaboosh

  • Sr. Member
  • ****
  • Thank You
  • -Given: 0
  • -Receive: 0
  • مشاركة: 335
رد: حكاية فنان اخطأ دعوته
« رد #1 في: فبراير 26, 2011, 04:34:37 مسائاً »
لا يسعني إلا أن أقول لك يا سيدي شكرا على هذه الكلمات التي تطرب النفس كما أطربك الشيخ العجوز بصوته فبرقة كلماتك كأني قد سمعت صوته و شعرت بحزنه و حقا قد رسمت الألحان الشجية بجمال أخاذ بتعابير رائعة  أما عن الجيل الجديد الذي لا يؤمن إلا بالصخب فانا اختلف معك فصحيح إن الصخب هو السمة الغالبة على هذا الجيل و لكن بالتأكيد هناك فسحة جميلة من الأغاني الهادئة و الجميلة و بالأخص كل ما هو من التراث الجميل الذي لايمكن أن ينسى و لكن يجب أن يكون هناك المزيد من التثقيف للشباب لكل ما هو جميل من الموسيقى و حتى القراءة الهادفة و الصور الجميلة للعالم الذي يحيط بنا بالرغم من الإيقاع المتسارع و الصخب و العنف الغريب الذي يشوش على كل شخص يحب الحياة و لهذا لا يمكن أن ننكر جهدكم ففي هذه المقالات الجميلة منكم بالتأكيد هي مساهمة فعالة في هذا الاتجاه و نرجو أن تفيدونا كأشخاص ذو خبرة في الحياة لتنويرنا و أخذنا إلى المسار الصحيح و لكن يجب ان يكون لهذا الجيل عدد من الخيارات لكي يستطيع ان يتعلم من تجاربه أيضا مع التحية


Share me

Digg  Facebook  SlashDot  Delicious  Technorati  Twitter  Google  Yahoo