المنتديات الخاصة والمؤقتة... > منتدى خاص بتوحيد الاعياد...

المسيح مات مرة واحدة / المطران بطرس المعلم

(1/1)

matoka:
المسيح مات مرة واحدة
                     

المطران بطرس المعلم
للذين يعيّدون الفصح هذا الأحد ، وللذين يعيّدونه الأحد القادم ، نقول بكل صدق ومحبة وفرح : "المسيح قام – حقا قام " ، سائلين لهم ولجميع المواطنين وافرَ نِعَم الربّ وبركاته.
 
طبعًا يؤلمنا ويُحزننا عدمُ اتفاق المسيحيين على تاريخٍ واحد للاحتفال بأهمّ أعيادهم على الإطلاق، المسمّى بحقٍّ "العيد الكبير". ولكن، ومع عميق شعورنا بأسى هذه الظاهرة، لشتى الاعتبارات التي نقدرها ونتفهمها، يهمّنا لفتُ النظر إلى أن أهميتها تبقى نسبية:
 
في الفصح المسيحي الأول (عشاء الرب الأخير)، خالف المسيحُ نفسُه التاريخَ اليهوديَّ الرسمي، فقدّم يومًا كاملاً مراسمَ العيد سرّيًّا، ليكون هو نفسُه في اليوم التالي الحمَلَ والذِّبحَ الفصحي على الصليب، في وقتِ نَحرِ الأضاحي في الهيكل (راجع كتابنا: "مِن وحيِ زيتون الجليل"، ص 163-166).
 
في العهد الرسولي وما تبعه لأكثر من مئتي سنة، تنازعَ المسيحيين بشأن الفصح تيّاران: فمنهم مَن كان يحتفل به مع فصح اليهود، في أيّ يوم من الأسبوع وقع، ومنهم مَن كان يحتفل به في الأحد الذي يلي فصح اليهود. ورغم الاختلاف في تاريخ العيد لم تنفصم وحدة الكنيسة.
 
وجاء المجمعٍ المسكوني الأول (نيقية 325)، وكان من بين مقرَّراته لجميع المسيحيين: يُحتفَلٌ بعيد الفصح في الأحد الأول الواقع بعد البدر الذي يلي الاعتدال الربيعي. التزمَ الجميعُ تدريجيُّا بهذا القرار، ولا يزالون ملتزمين به جميعا حتى اليوم، وإن اختلفوا على طريقة تطبيقه. ثم كانت الانشقاقات في كنيسة الشرق في القرنين الخامس والسادس، ثم الانشقاق الكبير بين الشرق والغرب في القرن الحادي عشر، ثم الانشقاق الكبير الآخر في كنيسة الغرب نفسها في القرن السادس عشر. ورغم تلك الانقسامات التي مزّقت الكنيسة كنائسَ متحاربة، ظلَّ تاريخ الفصح واحدًا للجميع. وعليه، وهذا هو المهمّ لإبراز نسبيّة الأمور، فلا اختلافُ التاريخ للعيد هو ما سبّب انقسام الكنائس، ولا وحدة هذا التاريخ هي حتمًا مؤشّرٌ أو عاملٌ على وحدة هذه الكنائس.
 
ثم تبيّن لاحقًا أن التقويم المعتمَد زمنَ نيقية وما بعد (وهو المسمّى "التقويم اليولي"، نسبةَ إلى يوليوس قيصر، الذي أقرّه في القرن الأول قبل المسيح)، تبيّن أن هذا التقويم فيه خطأ فلكيّ كبير، يؤخِّر كل سنة، لدقائق معدودة، ساعةَ حصول الاعتدال الربيعي بدقة.
 
ومِن تراكُمِ هذه التأخيرات عبْر السنين والقرون، كان قد تجمَّعَ، في القرن السادس عشر، عشرةُ أيام من التأخير. فأصلحَ البابا غريغوريوس الثالث عشر هذا الخطأ سنة 1582، وأمر أن يُنتقَلَ من يوم الخميس 4/10/1582 (اليولي) إلى الجمعة 15/10/1582 (التقويم الجديد الذي سُمّيَ "الغريغوري"). وأجرى تعديلاتٍ أخرى في الحسابات، تداركًا لعودةِ وتراكمِ أخطاء الماضي (منذ ذلك الإصلاح الى اليوم زادت أيام التأخير في التقويم اليولي ثلاثة أيام أخرى، فأصبح الاعتدال الربيعي متأخرًا ثلاثة عشر يومًا عن تاريخه الفلكي، أي أنه يقع في 3 نيسان الغريغوري).
 
هذا التقويم الغريغوري اتبعته تدريجيًّا جميعُ الكنائس الكاثوليكية، ثم البروتستانتية. وبعد الحرب العالمية الأولى أخذت بعض الكنائس الأرثوذكسية (بما فيها الكرسي المسكوني القسطنطيني وأنطاكيا واليونان وقبرص...) تتبعه تدريجيًّا، ولكنْ للأعياد الثابتة فقط دون الفصح وما إليه. إلا أن الكنيسة الأرمنية الأرثوذكسية كلها قد تبعته، حتى للفصح أيضًا، وكذلك فعلت كنيسة فنلندة الأرثوذكسية البيزنطية...
 
ثم كان المجمع الفاتكاني الثاني (1962-1965). ومن مواقفه في شأن الفصح: 1 – لا يمانع في تحديد موقعٍ لعيد الفصح في أحَدٍ معيًن يرتضي به الإخوة غير الكاثوليك. 2 – يتمنى اتفاقَ جميع المسيحيين، في المنطقة الواحدة أو البلد الواحد، على الاحتفال بالعيد معًا في يوم أحدٍ واحد، على أن يكون التوافق على ذلك بإجماع الرأي.
 
من المؤسف والمحزن حقا أن يكون المسيحيون، حتى القرن الواحد والعشرين، غير متفقين بعد على الاحتفال معًا ب"عيد الأعياد وموسم المواسم". ولكن من المعزّي على الأقل أن هؤلاء المسيحيين، وهم اليوم ثلث سكان الأرض، وعلى رغم خلافاتهم الأخرى الكثيرة، أنهم كلهم مجمعون على أن مسيحهم الواحد قد تألم ومات وقُبِر، وقام في اليوم الثالث. فعلامَ هم يختلفون؟ أن تميته هذه الكنيسة وتقيمه اليوم، بينما تميته وتقيمه كنيسةٌ أخرى بعد أسبوع أو شهر أو أكثر؟ أهذا هو الأهمّ؟ أليست هي في النهاية مجردَ ذكرى؟
 
مع ألمي لانقسامات الكنائس، أنا أحترم كل كنيسة وتمَسُّكها بهذا التاريخ أو ذاك، طالما هي متماسكة في ذاتها بين الرأس والأعضاء، تشهد لسرّ الفصح الخلاصي نفسه على طريقتها الخاصة. ولكن الخطر أكبر إذا فُصل رأس الكنيسة عن جسمها، فعيّد كلٌ منهما لوحده، لا سمح الله، مما يُلغي آخرَ رمزيةٍ لسرّ الخلاص. وعندنا هنا في الأراضي المقدسة، لا تزال تؤذينا، لسوء الحظ، "شوكة في الجسد" (2 كورنثس 12: 7)، إذ شقّوا ثياب المسيح، واقتسموها، مقترعين على ما يصيب منها كلُّ واحد منهم (مرقس 15: 24). ولكنهم، مع ثوبه، شقّوا جسده أيضا، وسيبقى الأمر كذلك إلى أن يأتي من يرتق الثوب والجسد. والأحرى بنا جميعا في هذه الأيام المقدسة أن نتوقف لا على خلافاتٍ عبثية ومماحكات لا طائل تحتها، بل أن نتوقف على الجوهري، أي أن المسيح مات مرة واحدة حين قرّب نفسه (عبرانيين 7: 27)، وأنه، بعد أن أقيم من بين الأموات، لا يموت أيضا، ولا يسود عليه الموت من بعد (رومة 6: 9)، بل أقامنا معه من خطايانا، وأجلسنا معه في السماوات (أفسس 2: 6).
 
ذكرى القيامةِ أمرٌ هامٌّ جدًّا ولا شك، ولكن الأهمّ الأهمّ هو واقعُ القيامة المتجددُ كل يوم. أليس أن أسبوع الفصح كلَّه يسمّى "الأسبوع الجديد"، أي أننا بالفصح نخلع الإنسان العتيق، إنسانَ الشر والخطيئة، لنلبس الإنسانَ الجديد، إنسانَ البِرّ والنعمة، إنسانَ المصالحة مع الله ومع النفس ومع الآخر (أفسس 4: 24 ؛ كولسي 3: 10). وحده مَن فهمَ وعاشَ سرَّ القيامة هذا، يحقّ له أن يعيّد: المسيح قام - حقا قام.




http://www.abouna.org/Details.aspx?tp=5&id=10645

ماهر سعيد متي:
شكرا لك على نشر هذا الموضوع الحيوي ... تحياتي

تصفح

[0] فهرس الرسائل

الذهاب الى النسخة الكاملة