المحرر موضوع: تقاليد من برطلي/ الاستسقاء*  (زيارة 1166 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل برطلي دوت نت

  • مشرف متميز
  • Hero Member
  • ******
  • Thank You
  • -Given: 0
  • -Receive: 126
  • مشاركة: 27106
تقاليد من برطلي/ الاستسقاء*
« في: كانون الثاني 20, 2018, 09:20:50 مسائاً »
تقاليد من برطلي
الاستسقاء*


بهنام شابا شمني

ربما الظروف التي مرت ونمر بها في زمننا هذا هي أحوج ما نكون بها الى العودة الى الله والدعوات له كي يعيننا في تجاوزها. هذا هو واقع شرقنا الذي لا ينفك يخرج من ازمة حتى تنتظره أخرى وبعد أن تعصى على ناسه الحلول تجده يتوجه مباشرة الى خالقه ليكون عونا له في محنته، ليس على مستوى ما يخلقه الانسان من ازمات لنفسه بل على مستوى الظروف الخارجة عن ارادة البشر مثل الظواهر الطبيعية. وهذه السنة تكاد تنذرنا بموسم زراعي سيء. السماء حبست علينا خيرها، فالامطار شحيحة بل مما نزل منها لا يكاد يبلل وجه الارض، والايام تمر والشتاء مضت منه ايام كثيرة ولم تتكحل اعيننا بتلك الامطار التي كانت تملأ الشوارع.

وشهدت برطلي عبر تاريخها مثل هذه الايام والظروف وربما أصعب منها وهناك من سجل اوضاع الناس كيف عاشت وكيف تعاملت مع ما نمر به ومنهم الاستاذ المرحوم (بطرس داود عكو) الذي نقل في كتابه المخطوط (برطلي والتراث) بعضا من تلك الحياة البسيطة. يسرني هنا أن اطلعكم على بعض ما كتبه وعاشه بنفسه في سنة شهدت فيها احتباس للمطر التي يومها لم يكن للناس للمعيشة غير الزراعة.

يقول الاستاذ بطرس داود عكو 
في السنين التي تنعدم أو يقل فيها سقوط الامطار او التي يكون فيها سقوطها غير منتظم أو فترات متباعدة ما بين مطرة واخرى أو تهطل الامطار في بداية الموسم ثم تنقطع لمدة طويلة ما يسبب ذلك ضعفا وهزالا في المزروعات وقد يؤدي بها هذا الى الاصابة بالامراض والافات وبالتالي موتها. لهذا ففي مثل هذه الظروف والحالات الكئيبة تشتد الغيبيات ويقوى أثرها والامل فيها لان النفوس حزينة والقلوب دامية والعيون دامعة وكلها تفتش عن الجهة التي يمكن ان تهبها الامل والامنية. وطبيعي ان الانسان الواقع في حيرة وارتباك وحزن لا طمأنينة له ولا سكينة ولا هدوء الا عن طريق المناجاة لله وذلك بالعودة الى الصلاة.
لذلك فهم يلجأون الى التجمع في الكنائس واقامة الصلوات واظهار الخضوع والخشوع لخالق الارض والسموات علّه وهو الحنان ان يعطف عليهم ويرأف بهم ويشفق عليهم وعلى اطفالهم وعلى حيواناتهم ويحاولون الاستعانة ببعض الاولياء والصالحين طالبين منهم ان يصلوا من اجلهم او يدعوا الى ربهم حتى يرحمهم ويرأف بحالهم ويرثي لمصائرهم.
لكن استسقاء من نوع اخر حضرته وانا صغير كان غريبا في طرفته عجيبا في اسلوبه مستغربا في نتيجته مذهلا في الحديث عنه. لقد كان بالحقيقة ايمان راسخ ومعجزة واضحة. مما جعل لتلك الحادثة أثر كبير في نفسي وارسخها في ذاكرتي وكانها سطرت على حجر ونقشت على صخر فهي ماثلة حاضرة كانها كتاب منشور او لوح مسطور لا تغيب احداثها مهما صغرت عن مخيلتي وفكري.
لا استطيع تأكيد السنة بالذات فقد تكون 1931 ـ 1932 أو 1932 ـ 1933 حيث كانت سنة مجدية مخيفة تنذر بالويل والثبور بعد ان نبت الزرع واخضّر وكسا الارض وصبغها بلونه السندسي ولكنها رغم مطرها الجيد في البداية فقد انقطع ومر شهر شباط دون ان تكتحل الاعين بقطرة واحدة، كما مر الثلث الاول من شهر آذار فاصبحت تنذر بالويل والثبور لقد جف الكلأ ويبس وبدأ الزرع تتهافت اوراقه ذابلة جافة وانتشر به المرض والدود ونفقت الحيوانات من الجوع فقد نفذ التبن والشعير وليس للفلاح من مال يستطيع ان يشتري ما يقيت به حيواناته بل وحتى اولاده رغم رخص المواد الغذائية انذاك لعد وجود او لقلة العملة بين ايدي المزارعين. أجل لقد تغلغلت هذه المصيبة في كيان الكل ورسمت على وجوههم سمات الحزن والكآبة والالم. لقد ثقلت عليهم المصيبة فناء بها كلكلهم وهدت حيلهم وادمت متونهم ورغم كل هذا فقد توقفت اعين السماء من الدموع وبخلت عليهم ولو بدمع يسير واصبحت سمة الغيوم احلاما وكوابيس فاقيمت الصلوات في الكنائس ودقت اجراس الحزن معلنة البؤس والشقاء الذي يعيشه الناس ولكن ذلك كان دون جدوى، فلا الصرخات المدوية ولا التسبيح المؤلم أثر، فالسماء لا زالت مغلقة الابواب ودموعها لا تنتثر على الخدين.
ولكن في ليلة من ليالي آذار الباردة وقبل منتصفه بايام قليلة حضرت جماعة الى دار كاهن ورع هو (القس الياس ميخا)، وكان شيخا ورعا عركته السنون وامتصت الايام من قوته فضعفت وارتخت يداه وناءت رجلاه عن حمل جسده رغم هزاله ووهنت عيناه عن الرؤية. لقد طلب الجميع من هذا العجوز المتثاقل في حركته، المتعب، المنهك. لقد رجاه الجميع ان يقيم صلاة لعل الرب يسمع صراخه فيبعد عنهم هذه الغمامة السوداء والليل الحالك وان يقوم باقامة الصلاة تلك في جميع الكنائس وخرائب الكنائس الموجودة في المنطقة، ورغم صعوبة ذلك على الرجل الشهم وعدم قدرته على ذلك لان هذا العمل يستوجب أكثر من ساعتين من السير والوقوف والتي يصعب على الشاب النشيط فكيف بعجوز متهالك قد عبر الثمانين، هذا بالاضافة الى ضعف بصره والدنيا ليل حيث لا كهرباء ولا قمر قد يهب بعض الضوء للسائرين. لكن الروح الكبيرة الوثابة والنفس المؤمنة الخيّرة التي لا تعرف للعمر معنى ولا للضعف والشيخوخة تفسيرا صممت على الايجاب وقررت ان تفعل ما يشاؤون وقال سيكون لكم ما اردتم بعد ثلاثة ايام. وفعلا في الايام الثلاثة اعلن على نفسه صوما انقطع فيه عن كل المأكل والمشرب، ولما انتهت الايام الثلاثة وكان الوقت مساء تناول طعامه ووجه كلامه لي. أأنت جاهز؟ لقد حان وقت العمل. قلت نعم يا أبي. كنت صغيرا آنذاك وكنت في اغلب الامسيات اتواجد في داره ولكوننا جيران كنت دائما عنده أقوم بتأدية كل ما يطلبه مني وأقضي له حاجاته وما يلزم له من السوق وغيره. وكذلك كنت أنصت اليه بلهفة أثناء جلوسي لاسمع ما ينطق به من حكم وامثال لها مغزاها.
التفت الي رحمه الله وقال يا بني أحضر لنا فانوسا. فاحضرت له ما طلب في الحال وأشعلته وأعلمته بانني أكملت ما رغب. قال لي اذهب الى داركم واحضر لك معطفا ثخينا واذا لم يكن عندك ذلك فاحضر لك (خميسي) وهو عباءة قصيرة أقصر من المعطف وأطول من السترة تنسج من الصوف وتمنع المطر ولو بشكل قليل. قلت له أبي (وهكذا كنت اسميه) لماذا المعطف؟ فالدنيا ليست باردة جدا وانا ارتدي ملابس ثقيلة.
قال لي. اسمع وأطع ودون أن تسألني لماذا؟
فذهبت وأحضرت ما طلب مني ولبستها فوق سترتي. نهض الشيخ الفاني نهضة سمعان الشيخ عندما نظر الرب يدخل الى الهيكل وتناول عكازه وكان يرتدي معطفا اسود خفيفا ولكنه طلب مني أن أحضر له (خرّارة) وهي عبارة عن كيس كبير يصنع من شعر الماعز أو الـ(مرعز) لنقل الحبوب من البيدر ويكون سميكا ويمنع دخول الماء وتسربه الى داخله.
قلت لماذا يا أبي انها ثقيلة جدا فلماذا ترتديها؟ اجابني مبارك هو اسم الرب انني سأخرج الان ولن أعود الا بعد أن ابتل بماء المطر.
ضحكت في سري لاني كنت ارى ان السماء صحو والنجوم لامعة ولا أثر لاي غيم وقلت أبي من أين المطر ولا غيم هناك ابداً فالسماء صحو والنجوم تلتمع تنبيء بعدم وجود غيوم.
قال ولماذا نخرج الان؟ اليس لكي يأتي المطر؟ فلو كان قد أتى المطر قبل الان لماذا كنا نخرج؟ وهل كنا نخرج؟ ان المؤمن لا ولن يخيب ابداً ما يقرع ولو كان لك ايمان بقدر حبة خردل لامرت الجبل بالانتقال فاطاعك. فكيف وانت مزمع على أمر بسيط كالغيم والمطر.
بُني... حبس ايليا بايمائة المطر ثلاث سنوات فاطاعه فلم يهطل. ولما اراد هطوله وطلب ذلك هطل بغزارة وشدة. انهض يا ولدي وتحرك فان الجماعة في انتظارنا وارجوك ان لا تبتعد عني كثيرا لكي لا اتعثر بحجارة الطريق ومعاثره رغم اني واثق ان النور المتدفق في قلبي سينير لي طريقي فلا أعثر أبداً.
كان الاب يتكلم ولكنني لم أكن أفقه شيئا مما كان يقوله سوى أن الـ(خميسي) سيتبلل وانا لا ارى غيما ولا مطرا.
خرجنا من داره وانا أمشي بجانبه ومعي فانوسي كي أريه الطريق لكي لا يسقط في حفرة لان الشوارع غير مبلطة وكثيرة الحفر وفيها من الحجر الناتيء الكثير ولكنك يا قارئي العزيز قد تضحك علي اذا صارحتك بانني كنت انا الذي أعثر بينما لم الاحظه وقد عثر ابداً  أو اصطدم قدمه بحجر فكأني به يسير على أرض سهلة منبسطة لا التواء فيها ولا نتوء.
وصلنا خرائب كنيسة مار يوحنا ابن النجارين واخته سوسن وحولنا شلة من الناس كانت تكبر تدريجيا كلما سرنا وكلما لعلع صوته كصوت شاب في ربيع عمره في تلك الليلة الصامتة. وفي خرائب تلك الكنيسة صلى صلاته ونحن نردد خلفه ما يقول، ثم قرأ مقامات دينية حزينة أبكى جميع الحاضرين والحاضرات.
ثم انطلقنا متجهين الى كنيسة الاربعين شعيد واثناء سيرنا وجموعنا تزداد وتكبر.  كان هو بصوته الرخيم العالي يشدو الانغام الحزينة من مزامير داود أو من مراثي ارميا والناس يتقاطرون وبكاؤهم يفطر الاكباد وصوته الشجي يحطم النفس البشرية العاصية.
ثم درنا نحو خرائب كنيسة مار احودامة ثم كنيسة مار كوركيس القديمة ومن بين الازقة الضيقة وصلنا كنيسة مريم العذراء (الكنيسة التي كان يخدم فيها) ثم اتجهنا الى خرائب كنيسة مريم العذراء القديمة (ستنا سيدي).
التفت الي يحثني على المسير فسألته. لما ذلك يا أبي؟ ان جميع الناس يشاركونك صلاتك. أتعبت؟
قال لا. لم أتعب أبداً. لقد قلت ذلك كي يصل الناس الذين معنا البعيدون الى دورهم فالمطر آت وأنا سامع صوته.
وحالما كان ينهي جملته لمع برق في السماء. فادركت ان الغيوم قد ظهرت من الجنوب ومن الغرب وتغير مجرى الرياح فاصبح جنوبيا شرقيا بعد ان كان شماليا غربيا. فهلل الناس حينما لمع البرق لانه كانوا قد تناسوه حتى في الاحلام.
عندما دخلنا كنيسة مارت شموني كانت السماء قد تلبدت بالغيوم واخذت البروق تضيء لنا الطريق والرعود تقصف مصدرة أصوات مدوية. وما ان انتهى من صلاته وتمجيده وتسبيحه للرب الا وكانت السماء قد بدأت تشاركنا بكاءنا ولكن دمعها كان مختلفا عن دمعنا. فدمعنا كان فيه الاسى والحزن والكآبة، ودمعها كان فيه البهجة والفرح والسرور. كان دمعنا نزرا يسيرا من عيون محترقة، وكان دمعها غزيرا مندفعا وباردا مغرورا. كان دمعنا يحرق جفوننا وخدودنا، وكان دمعها يروي الارض العطشى والزرع المحروق اليابس.
وقبل أن يطأ عتبة باب داره كان المطر يهطل مدرارا فقال لي أدخل فقد وفيت نذري.
رحمك الله ايها البار واذكرنا في صلواتك وانت مع القديسين الاطهار.
لقد استمر سقوط المطر بقية آذار وبصورة منتظمة وجيدة طيلة ايام نيسان وكانت سنة مباركة. كانت الغلة فيها وفيرة والخير كثير أشبع الناس وحيواناتهم وعاد الى الزرع اخضراره وكسبت الارض بسندسها الجميل وانتشرت رائحة الامطار برائحة الزهور وباصوات زقزقة الطيور بحركة الانسان وابتسامته وبحركة الحيوان وبطره فكان سمفونية عظيمة هي سمفونية الحياة.

اما المرحوم القس الياس ميخا قريو*

هو الياس بن ميخا بن قرياقوس الملقب قريو  وينحدر من باسخراي (باصخرة).
اسم امه: بلو ابنة سليمان بن بينو بن مقدسي بطرس ال شلتان.
من مواليد 1855م.
تعلم في دير مار متى الناسك حسبما ورد في كتاب دفقات الطيب في تاريخ دير القديس مار متى العجيب تاليف المثلث الرحمات مار اغناطيوس يعقوب الثالث البرطلي
رسم كاهنا على يد المثلث الرحمة مار قورلس الياس الثاني بن متي قدسو لكنيسة مار گورگيس في عقرة سنة 1892 م
انتقل بعدها ليخدم في كنيسة مريم العذراء في برطلي سنة 1908م
وبقي يخدمها حتى وهن جسده ولم يعد يسعفه للخدمة.
توفي في سنة 1940م
* عن كتاب برطلي والتراث للاستاذ المرحوم بطرس داود عكو.
* الخوري قرياقوس حنا طراجي البرطلي

   
     
« آخر تحرير: كانون الثاني 21, 2018, 04:34:34 مسائاً بواسطة برطلي دوت نت »


Share me

Digg  Facebook  SlashDot  Delicious  Technorati  Twitter  Google  Yahoo

 


Back to top