• Welcome to منتديات برطلي.
 

طفلان / جبران خليل جبران

بدء بواسطة ماهر سعيد متي, يوليو 16, 2014, 09:37:57 صباحاً

« قبل - بعد »

0 الأعضاء و 1 زائر يشاهدون هذا الموضوع.

ماهر سعيد متي

طفلان / جبران خليل جبران


وقف الأمير على شرفة القصر ونادى الجموع المزدحمــة في تلك الحديقة ، وقال : (( أبشركم وأهنئ البلاد. فالأميرة قد وضعت غلاماً يحيي شرف عائلتي المجيدة، ويكون لكم فخراً وملاذاً ووريثاً لما أبقته أجدادي العظام . افرحوا وتهللوا فمستقبلكم صار مناطاً بسليل المعالي.))
فصاحت تلك الجموع وملأت الفضاء بأهازيج الفرح، متأهلة بمن سوف يربى على نهد الترف، ويشب على منصة الإعزاز، ويصير بعد ذلك حاكماً مطلقاً برقاب العباد. ضابطاً بقوته أعنة الضعفاء، حرياً باستخدام أجسادهم وإتلاف أرواحهم. من أجل ذلك كانوا يفرحون ويغنون الأناشيد ويعاقرون كاسات السرور.
وبينما سكان تلك المدينة يمجدون القوي ويحتقرون ذواتهم ويتغنون باسم المستبد ، والملائكة تبكي على صغرهم ، كان في بيت حقير مهجور امرأةً مطروحةً على سرير السقام تضم إلى صدرها الملتهب طفلاُ ملتفاً بأقمطة بالية.
صبية كتبت الأيام لها فقراُ ، والفقر شقاء فأُهملت من بني الانسان . زوجة أمات رفيقها ظلم الأمير القوي، وحيدة بعثت إليها الآلهة في تلك الليلة رفيقاً صغيراً يكبل يديها دون العمل والارتزاق.
ولما سكتت جلبة العالم في الشوارع وضعت تلك المسكينة طفلها على حضنها ، ونظرت في عينيه اللامعتين وبكت بكاء مراً كأنها تريد أن تعمده بالدموع السخية ، وقالت بصوت تتصدع له الصخور : (( لماذا جئت يافلذة كبدي من عالم الأرواح ، أطمعاً بمشاركتي الحياة المرة ؟ أرحمة بضعفي ؟ لماذا تركت الملائكة والفضاء الوسيع وأتيت إلى هذه الحياة الضيقة المملوءة شقاءً ومذلة ؟ ليس عندي ياوحيدي إلا الدموع ، فهل تتغذى بها بدلاً من الحليب ؟ وهل تلبس ذراعي العاريتين عوضاً عن النسيج ؟ صغار الحيوان ترعى الأعشاب وتبيت في أوكار آمنة ، وصغار الطير تلتقط البذور وتنام بين الأغصان مغبوطة، وأنت ياولدي ليس لك إلا تنهداتي وضعفي.
حينئذٍ ضمت الطفل إلى صدرها بشدة كانها تريد أن تجعل الجسدين جسداً واحداً ، ورفعت عينيها نحو العلاء وصرخت (( ارفق بنا يارب)).
ولما انقشعت الغيوم عن وجه القمر ، دخلت أشعته اللطيفة من نافذة ذلك البيت الحقير ، وانسكبت على جسدين هامدين.

.‏
مقولة جميلة : بدلا من ان تلعن الظلام .. اشعل شمعة